• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

لتذكّر المبدع المسرحي عبد الله مفتاح

مثل مصباح انطفأ إثر ريح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 يناير 2014

علي أبوالريش

عبدالله مفتاح، الجبل الذي تهاوى على رمل الوجه الأزلي، خانك العمر، ونستك ذاكرة الأصدقاء، مثل مصباح انطفأ إثر ريح صرصر، مثل نجمة شاخ وميضها، مثل غيمة استعصى عليها إنجاب القطرة، مثل سدرة طاردتها العصافير ولم تجد مأوى يدفئ الأجنحة، مثل قصيدة حاصرها القلق، واستبدت في مقطعها الأخير، رجفة النهايات القصوى، مثل قوس قزح، تدثر برماد الغيم، مثل عاشق خبت نياقه ولم يحتلب غير الفراغ، مثل راهب تناثرت تراتيله في خيمة العزلة، واستباحة الصمت بعد بوح، زلزل الجدران والخلان، مثل سنبلة مالت على الأرض تبحث عن رائحة القطرة، وتفتش عن البلل، مثل قبلة تجمدت على شفتي عذراء متلهفة.

عبدالله مفتاح، خذلك الموت وأنت في ريعان التجول في ميادين أبي الفنون، خذلك المرض وأنت لا زلت في أول الحلم، لا زلت تهدهد قلب الطفل في داخلك، لا زلت تشاغب محبوبتك وتمنيها بعرس بهيج على خشبة المسرح الكبير.. عبدالله مفتاح، كان لصوتك الليلي مثل همس الغيوم، مثل وشوشة الصوت الداخلي، مثل ضجيج عقلك الباطن، عندما تستوحشه نعومة أظافر من أحببت، وأنعمت النظر في محياه إلى حد العبادة.. مثل أغنية بحرية أوقفها الموج، حين تهاوى مركب السفر وأنت على سفح الموجة، تنادي أبي الفنون أن يفصح عن سره الكامن في أحشاء زملائك والعاشقين وهم كثر، هم مثلك، أذهلهم الغياب المبكر، فانسحبوا ناكصين وفروا من قسورة الموت اللئيم.

هزال

عبدالله مفتاح.. بعد سنوات من الهزيمة، بعد عمر من الغياب، تبدو الآن أكثر نصوعاً عندما نشاهد نصوصاً، تتوارى خلف الهزالة، تبدو الآن أكثر حضوراً عندما نعلم أنك الأهم، وأنت في وضح النهار، ترتب أشياءك الصغيرة وتغادر، متأبطاً حسنات فنك الرفيع، وصوتك الذي كان مثل الهديل، يشاغب أغصان القلب ويغري الروح، بمشاعر الحرقة الوجودية.. عبدالله مفتاح أنت في القبر أو في أول السطر، أنت في الخبر جملة لونت حروفها باسم لا يمكن إلا أن يكون مفتاحاً، لذاكرة لايبدو أنها تدفن أسماءها، بقدر ما تبحث عن الأشياء في التفاصيل، وتطلق الأسئلة كطيور أبابيل، ترجم شيطان الصمت، وتهلل نسل النسيان، فما بين الصمت والنسيان، غشاوة البيان. وصخور التبيين، ونحن سيدي الذين نمثل على خشبة الحياة، لعلنا نصطاد سمكة البوح، لعلنا نخيم عند مضارب الزمن، بدون رجفة تذهب العقل والفعل، وتطيح بالعبارة، كما تفعل الصاعقة بغصن اللوز. عبدالله مفتاح.. لم تذهب بعيداً، لم تغمض عينيك للريح، لم تلجم شفتيك بل لا زلت الكليم الذي لم يتوخ صبراً، عندما أغرق القرين سفينة الغواصين، وقال بفصاحة العباقرة.. لن تستطيع معي صبراً، وإنك سيدي الذي عاهدت ووعدت بأنك ستضرب الموت، بعصا الاستثنائية، لينشف البحر، وتمر جحافلك دون عائق أو عثرة، أنت الذي قلت إنك لن تهوي في قاع الكأس، لأنك ستأوي إلى جبل يعصمك من الضياع.

عبدالله مفتاح.. السارد، الشارد في بحيرات الألم، الناهض من صحراء الأمل، الباهظ، الرافض، القارض، من أتون ومتون، وفنون الشعر، المتحدر من فصيلة الأنبياء، المجاهر بحكمة الفلاسفة، وما فاض من قريحة الأفذاذ، أيقنت دوماً أن الموت ما هو إلا تحرير من مقبرة الجسد، فأعلنت عصيانك على الخوف، فكرعت من أوعية الجرأة، حتى فاض المسرح باسمك، كما فضت أنت بشمائل الأوفياء، وصنعت مجدك رغم العمر القصير، رغم الرحلة التي لم تتجاور المسافة ما بين السفتين، كنت سيدي الجائل في الوجدان، كما هي القصيدة المشبعة بالمعنى، كما هي النخلة الحارسة لغابة الفرح.

ضد الغياب ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف