• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

التلفزيون رافقها والتقدم الاتصالي يعلن نهايتها

أفول ما بعد الحداثة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 02 يناير 2014

د. معن الطائي

يكاد يتفق جميع النقاد الثقافيين والمؤرخين على أن اللحظة الحاسمة لظهور ما بعد الحداثة ارتبطت بطريقة أو بأخرى بظهور المجتمع ما بعد الصناعي. لقد اكتسب هذا المصطلح أهمية استثنائية منذ أن ظهر لأول مرة في كتاب المفكر المحافظ دانييل بيل (المجتمع ما بعد الصناعي القادم)، يشرح فيه بيل، أن التغير حدث في التحول من مجتمع الإنتاج والبضائع إلى مجتمع الخدمات وقطاع الاتصالات والمواصلات في النصف الثاني من القرن العشرين، ويقول: «إن ما يهم في المجتمع ما بعد الصناعي هو السلطة والسيطرة وليس ملكية وسائل الإنتاج». ويمكن وصف معظم اقتصادات الدول الغربية بعد الحرب العالمية الثانية باقتصاد مجتمع ما بعد الصناعي، وذلك لأنها أصبحت تعتمد وبشكل متزايد على قطاع الخدمات ووسائل الاتصال والمواصلات والشركات المالية. ويلاحظ توزيع الشركات الصناعية الكبرى لمصانعها خارج الأراضي الأوروبية والأميركية في آسيا وأفريقيا واعتماد نمط الصناعات التجميعية.

بينما ترتبط أعلى مراحل الحداثة من الناحية الصناعية والاقتصادية بـ (الفوردية) نسبة إلى شركة فورد، يرتبط مجتمع ما بعد الحداثة بـ (ما بعد الفوردية)، وهو تعريف آخر للمجتمع ما بعد الصناعي. وفي هذا السياق يؤكد الباحث كريشان كومار أن المجتمعات الغربية انتقلت في الثلث الأخير من القرن الماضي من المجتمعات الـ ما بعد الصناعية إلى مجتمعات المعلومات والمعرفة والتكنولوجيا. ويؤشر ظهور مجتمع المعلومات بالسعي إلى أتمتة مكاتب العمل التي أصبحت خالية من الأوراق ومجهزة بأجهزة الحاسوب المتطورة والشبكات الداخلية وشبكات الإنترنت، كما تمت أتمتة المصانع وتناقص الحاجة إلى أعداد كبيرة من العمال في الخطوط الإنتاجية. ويشير الباحث في مجال وسائل الإعلام الحديثة روبرت حسن إلى أن من أهم مظاهر التحول من المجتمع ما بعد الصناعي إلى مجتمع المعرفة والتكنولوجيا والمعلومات هي السرعة الفائقة. ويوضح حسن أننا نعيش في لحظة تاريخية أصبح فيها التغيير سريعاً جداً إلى درجة أننا لا نكاد ندرك الحاضر إلا بعد أن يختفي ويصبح ماضياً. كما أن السرعة التي أخذت تتحول فيها الابتكارات في مجال تكنولوجيا المعلومات من مجرد فكرة إلى جزء أساسي من حياتنا اليومية أصبح لها أثرها العميق على تجربتنا للزمان والمكان.

سؤال المجتمع

كان لانتقال المجتمع الغربي من مرحلة التصنيع إلى المجتمع ما بعد الصناعي الأثر الحاسم في ظهور ما بعد الحداثة وانتشارها الواسع. وها هو التقدم التكنولوجي الحاصل على صعيد وسائل الاتصال الجماهيري والإنترنت والنشاطات التفاعلية التواصلية، يسهم في إسدال الستار على ما بعد الحداثة ويعلن عن نهايتها.

يؤكد الباحث آين آنج في كتابه (حروب غرفة المعيشة) الصادر عام 1996 على أن انتشار التلفزيون كان من المؤشرات المهمة على مرحلة ما بعد الحداثة. فقد وظفت البرامج التي تعرض من خلال شاشة التلفزيون جميع خصائص وتقانات ما بعد الحداثة مثل: التنوع والاختلاف والتعددية والتناص والمعارضة الأدبية و النوستالجيا واللامركزية والإبهار البصري والنزعة الاستهلاكية والتسليعية. ويمكن عدّ التلفزيون التجسيد الأكثر وضوحاً وحضوراً، في التجربة الحياتية للفرد في مرحلة ما بعد الحداثة، لمقولات بودريلار عن المحاكاة والواقعية الفائقة، حيث يتلاشى الواقعي شيئاً فشيئاً، ويتم استبداله بتيار من الصور والرموز التي لا تحيل إلا على نفسها ولا ترتبط باشتراطات الواقع الخارجي.

ومثلما ارتبط التلفزيون والقنوات الفضائية بمرحلة ما بعد الحداثة، ارتبطت التطورات التكنولوجية الهائلة في مجال الإنترنت والتكنولوجيا الرقمية بنهاية مرحلة ما بعد الحداثة وبداية مرحلة جديدة أطلق عليها الناقد الثقافي البارز (آلن كيربي) اسم (الحداثة الرقمية)، بينما وصفها الباحث روبرت صموئيل (بالحداثية الآلية أو التلقائية). ويتفق الباحثان على أن الثورة الكبيرة التي شهدتها مجالات التكنولوجيا الرقمية قد ساهمت في التغيير الراديكالي للعالم الذي نحيا فيه، كما أنها لعبت دوراً حاسماً في الطريقة التي نتفاعل بها مع هذا العالم من حولنا ومع بعضنا بعضاً كذلك. منحت تلك التكنولوجيا قدراً أكبر من الاستقلالية والسيطرة للفرد، وغيرت من تصورنا لمفاهيم أساسية مثل الزمان والمكان، وبذلك تغيرت أنماط تمثيل ذلك الواقع عما كانت عليه في مرحلة ما بعد الحداثة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف