• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

«الربيع العربي» لم يكن عربياً حتى في اسمه، إذ أُطلقت عليه هذه التسمية من قبل إعلاميين فرنسيين

عودة الشرق الأوسط الجديد!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 27 مارس 2015

يناقش كتاب الدبلوماسي الفرنسي المخضرم «ميشل ريمبو» الصادر في أواخر فبراير الماضي بعنوان: «عاصفة على الشرق الأوسط الكبير» بعض التحولات الجيوبوليتيكية الكبرى التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط الكبير، الممتدة وفق تعريفه من المحيط الأطلسي إلى إندونيسيا، في فضاء يشمل العالم الإسلامي كله، مستعرضاً حجم التحول المتوقع في المشهد الاستراتيجي الدولي ككل بفعل التغيرات التي تعرفها الآن هذه المنطقة الواسعة، وبالغة الثراء والأهمية، إضافة إلى تعاظم دور وحضور بعض القوى الدولية الكبرى الأخرى البازغة في المجالين الأوروآسيوي، مثل الصين وروسيا، ولعل مما يزيد قيمة هذا الكتاب أن مؤلفه دبلوماسي ضليع في شؤون العالم الإسلامي، وقد عمل سفيراً لفرنسا في موريتانيا والسودان وزيمباوي، ويعمل حالياً محاضراً أكاديمياً في مجال الدراسات الدولية والاستراتيجية في باريس. وينطلق الكاتب في تحليله للعواصف التي تعرفها المنطقة العربية، تحديداً خلال الفترة الراهنة، وسط صخب العنف والصراعات الداخلية، محاولا ربطها بذلك المشروع، سيئ السمعة والصيت، الذي روّج له المحافظون الجدد الأميركيون في عهد إدارة بوش، الذي تكشفت تداعياته في النهاية عن إثارة الفوضى غير الخلاقة في العالم العربي الإسلامي، وإرباك النظام الدولي، وتسعير موجات من العنف والصخب بدأت توابعها تصل حتى إلى أوروبا نفسها، على الجانب الآخر من البحر المتوسط. وفي هذا المقام اعتبر الكاتب أن ما سمي «الربيع العربي» لم يكن أصلاً عربياً حتى في اسمه، لأن كلمة «الربيع العربي» نفسها لم يطلقها العرب على ما جرى ويجري في بعض البلدان العربية، وإنما تم إطلاق هذه التسمية، ابتداءً من قبل مثقفين وصحفيين فرنسيين، مستحضرين من خلالها إحالات ثقافية وتاريخية أوروبية خالصة، مثل ما سمي «الربيع الديمقراطي» في أوروبا سنة 1848، الذي وقعت فيه ثورات فوضوية ضد بعض النظم الملكية في القارة الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر، وكذلك ما سمي أيضاً «ربيع براغ» في 1968، وثورة الشباب في فرنسا في مايو 1968 أيضاً. ولذا كان الأوروبيون من البداية يُسقطون بتلك التسمية تاريخهم وإحالاتهم الثقافية الخاصة على بلدان في العالم العربي! ومثل ذلك أيضاً إطلاق تسمية «ثورة الياسمين» على ما جرى في تونس تحديداً، وقد وقعت أحداث الثورة هناك ضد نظام بن علي في فصل الشتاء وليس في فصل الربيع أصلاً!

ويرى الكاتب أن حجم الاضطراب الإقليمي والتحديات الواسعة الواقعة اليوم في أجزاء من العالم العربي والإسلامي، حيث تتغول جماعات العنف والإرهاب، ويزداد عدد الدول الفاشلة، وتتعرض وحدة دول كانت قائمة إلى خطر التفكك والانقسام، ليس أيضاً هو مظهر التحول الخطير الوحيد في المشهد الدولي اليوم، فقد بدأ العالم الأوراسي يشهد هو أيضاً حالة صعود لقوى موازية للعالم الأطلسي الغربي، وفي المقدمة من تلك القوى الصين وروسيا، وليس مصادفة أن الصراع حول سوريا قد أظهر حجم هذا الاستقطاب الدولي المتزايد بين هاتين القوتين الأورواسيتين من جهة، والغرب من جهة أخرى، وهو الاستقطاب نفسه الذي وجد لحظة تصعيده القصوى اللاحقة في الصراع حول أوكرانيا، حيث رفعت روسيا قفاز التحدي الصريح في وجه الغرب كله ضمن أطوار مواجهة صاخبة، ما زالت نهاياتها الممكنة غير معروفة حتى الآن. وفي المجمل، فبين دفتي هذا الكتاب الواقع في 576 صفحة قراءة موسعة ومعمقة في مختلف مظاهر التدافع الراهن في العالم الإسلامي، والتحول الكبير في طبيعة النظام الدولي، من نظام أحادي القطبية، إلى نظام يميل شيئاً فشيئاً لاستعادة تعددية قطبية صعبة، في المديين المتوسط والبعيد.

حسن ولد المختار

الكتاب: عاصفة على الشرق الأوسط الكبير

المؤلف: ميشل ريمبو

الناشر: أليبس

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا