• الأحد 29 جمادى الأولى 1438هـ - 26 فبراير 2017م

كلمات وأشياء

احترافنا يختنق!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 07 يوليو 2016

بدر الدين الإدريسي

أتنقل بين التجارب الاحترافية التي خضعت لها كرة القدم العربية، باختلاف مستوياتها ومقاساتها وحتى عمرها الزمني، فلا أرى غير صروح كروية آيلة للسقوط، وأخرى تشكو ضيق اليد، وثالثة تشكو من عسر مالي رهيب.

يكاد الأمر يكون من جنس المخاضات العسيرة التي تسبق الميلاد العسير، ومن كل الذي تتسبب فيه أي حالة انتقالية من ارتجاج، لكن ما يطالعنا من أزمات مالية تضرب الصروح الكروية العتيقة التي كنا نظنها قادرة على إنجاح الانتقال الاحترافي تصل بها حد الإفلاس، يجعلني أعود قليلاً إلى سنوات خلت، نبهت خلالها إلى ما تستشعره أنديتنا العربية من صعوبة بالغة في التطبع بطباع الاحتراف، وفي التقيد بالأحكام الصارمة للتدبير المقاولاتي، عندما يكون لزاماً الإقلاع عن اقتصاد الريع، والاستعاضة عنه باقتصاد تتوازن فيه العائدات والإيرادات مع المصروفات، بما يضمن توازناً مالياً لا يسقط الأندية في شراك العجز المالي الذي كلما تضخم، رمى بهذه الأندية في مستنقع الإفلاس. والذي يستقرئ جيداً المسار التاريخي للاحتراف الأوروبي، يقف على مثل هذه النتوءات التي تحدث اليوم في مشهدنا الكروي العربي، ويقف بالخصوص على المعاناة التي طبعت سنوات من البحث الجاد عن الاقتصاد الأكثر ملاءمة ومطابقة لكرة القدم التي تعرف عادة بأنها تسدي خدمة عامة، أكثر ما تهدف إلى الربح، لذلك ناديت بأن يحضر كثير من الصبر والجلد في تعقب الميلاد العسير للاحتراف، وأن يكون ذلك مقترناً بمصاحبة من قبل الدولة، لطالما أن الاحتراف هو نمط متقدم لتأهيل كرة القدم للوصول إلى المستويات العالية.

والحقيقة أن الانتقال الاحترافي، لم تواكبه التشريعات الرياضية التي لا تقف عند مجرد التقنين والتأطير، ولكن تتعداهما إلى الحماية والتحصين ضد كل أشكال الانحراف، لقد تحدثت كثير من التشريعات عن منظومة الاحتراف، وقرنتها بموجبات تحويل النادي الهاوي لنادٍ محترف، ولكن من دون أن تصدر نصوص تطبيقية ترسم بدقة خطوط الطول والعرض في جغرافية هذا الاحتراف.

ونتيجة لنهم كبير سيطر على الأندية في سباقها الشرس، من أجل الفوز بالصفقات، وقد تحول المشهد الكروي العربي إلى ساحة للمبارزة والضرب من تحت الحزام، سنجد أنفسنا أمام تضخم رهيب تكسرت معه كل قواعد اللعب المالي النظيف، فنتج عن ذلك أن الأندية التي ضربها الهوس، ولم تجد قانوناً يضبطها ولا ضوابط مالية تمتثل لها، تفاجأت بهول العجز المالي الذي ضربها عندما ارتفعت المصروفات لمستويات قياسية لم تواكبها للأسف العائدات، فأشهرت هذه الأندية إفلاسها، وما أفلس في حقيقة الأمر هو احترافنا الكروي العربي.

وإنقاذاً للوضع، ما دام أن الأمر يتعلق بمعاقل كروية عريقة مهددة بالاندثار، فإن الحكومات العربية ستتدخل لإغاثة الأندية المفلسة، وكان حرياً بها أن تشد من البداية عضدها ولا تتركها تركب بحر الاحتراف الهائج وهي لا تحسن فن العوم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل تحد السياسات الأميركية الجديدة من الهجرة العربية للغرب عموما؟

نعم
لا