• الثلاثاء 27 محرم 1439هـ - 17 أكتوبر 2017م

إقامة للمُرتحلين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 مايو 2017

د. هند السليمان *

يرى أمين معلوف أن «الشجرة تبقى أسيرة منذ ولادتها، لأن لها جذور». نحن البشر لا جذور لنا. السفر والارتحال جزء أصيل من طبيعتنا الإنسانية. تحركه أسباب اقتصادية، اجتماعية، نفسية أو ترفيهية. بل وتشكلت شعوب ومدن قامت بنيتها الاقتصادية والثقافية والسياسية من خلال السفر والارتحال. الترحال لا يزال ملازماً لوجودنا على الرغم من تمدننا، فحتى من لم يغادر مدينته فعلى الأغلب غادر مكانه، محل إقامته.

حديثاً، أنتجت طبيعة النشاط الاقتصادي وتغير نمط الحياة بأثر التقنية أشكالاً جديدة للسفر ووفرت له أسباباً إضافية. لتصبح الفنادق هي أول من يستقبلنا عند القدوم للمكان الجديد. فنادق توجد في كل مدينة لتشكل مقصداً ممكناً لمرتحلي هذا العصر. فنادق تحمل الاسم ذاته مهما اختلفت المدينة، يحرص النازل فيها على أن تكون غرفته الفندقية بغطاء المخدة ذاته والمنشفة ذاتها أياً كان مكان إقامته. تفعل الفنادق ذلك لتحرص على «الشعار» الذي يجعلها تبقى في الذاكرة لأكبر فترة ممكنة. فذاكرة المسافر قصيرة دوماً. فلماذا يسافر المسافر إذا كان سينتهي لطلب النوم بالسرير ذاته والحصول على الإفطار ذاته الذي يعده الفندق ذو العلامة التجارية وبطريقته المعتادة لزبائنه؟ أهي الرغبة في رحيل يمنح الفرد تحرر الغريب الفاقد لهويته، وبالوقت ذاته، هذا التحرر يحرض الخوف من الوحدة والضياع، فيتجه المرتحل للبحث عن المألوف، حتى لو كان المألوف الشعار الموضوع على منشفة الحمام؟

فردانية الفندق

الفنادق الحديثة، لا تمنحك حتى مفتاحاً للغرفة، مجرد بطاقة تنتهي فعاليتها بانتهاء أيامك في الفندق. كل ما عليك، رمي هذي البطاقة لتنتهي علاقتك بالفندق. حتى موظف الاستقبال ليس عليك أن تخبره بأنك مغادر. لا أحد يهتم، بطاقة الفندق وبطاقتك الائتمانية هي من يحدد ويعلن ذلك، فهي ما يهم. في الفندق، أنت الغريب الذي لا يترك أثراً ولا يعرف بوجوده أحد. موظف مطعم الإفطار وحده من سيعلم بوجودك، ولكنه سيعلم عبر رقم غرفتك دون اسمك. فما يهمه من اسمك هنا؟ يدخل نازلو الفندق ويخرجون ولا تعلم من هو جارك ومن سكن قبلك في غرفتك. تتجاورون في الغرف ومائدة الطعام ووسائل الترفية المتوافرة في الفندق، لكن تعبرون المكان كأطياف أشباح. مالك المطلبي يقول عن تجربة الإقامة الطويلة في الفنادق: «الفندق هو أحد مكونات الصمت على الرغم من ظاهره الذي يبدو فيه كأنه سوق هرج لغوي! إنه المكان الأنسب للعزلة والتأمل ومكان الذات لا الآخر».

وصف كهذا يشعرك كم أصبحنا فردانيين، نسافر وحدنا، لنقيم وحدنا في غرف ضيقة، نحاول جعلها مألوفة عبر اختيار اسم لفندق مألوف، لننتهي مع ذواتنا وحيدين. فهل في الإمكان أن نكون بهذه الدرجة من الفردانية؟ ألا تخبرنا الانثربولوجيا أن الإنسان كائن اجتماعي؟ فما الذي حدث؟ كيف ومتى حدث هذا التحول، وهل حدث فعلاً؟ من المؤكد أننا لم نتحول من أقصى أشكال المجتمعية إلى أقصى أشكال الفردانية، فلا حديّة أو نقاء كامل في السلوك الإنساني ولكنه ميلٌ لجانب أكثر من جانب آخر.

تجارة الضيافة ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا