• الاثنين 03 صفر 1439هـ - 23 أكتوبر 2017م

أطفال الديجيتال

ماذا فعلت بنا الأصابع الصغيرة؟

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 25 مايو 2017

د. أم الزين بنشيخة المسكيني

يحدّثنا أطفال الديجيتال من عمق الشاشة العنكبوتية كما من قلب أطلس جديد. لكنّنا لا نتقن الإنصات إليهم دوما، وربّما ليست لنا بعدُ الآذان المناسبة لأصواتهم. هم الذين يفضّلون المكوث حذو حواسيبهم بدلاً من السهر حذونا، هم الذين تؤنسهم الألعاب الافتراضية بدلاً من حكايا الجدّات حيث ترعرعنا، نحن آباؤهم وأمّهاتهم، الذين لا يكفّون عن الشكوى ممّا آل إليه أبناؤهم المدمنون على الحاسوب. لكنّ أبناءنا ليسوا أبناءنا، إنّهم أبناء الحياة، هكذا قال جبران خليل جبران يوما.

نمط جديد من البشر يولد أمام أعيننا وفي بيوتنا ومن أرحامنا، نحن الذين نتأرجح بين منظومة تقليدية منهوكة، وعالم جديد متمرّد على قيمنا وأذواقنا، هو عالم أبنائنا. نعم، هم أبناؤنا، أطفال عالم الديجيتال، أطفال افتراضيّون لا أحد قادر على أن يمارس عليهم وصايته القديمة، هم الذين اتّخذوا من الحاسوب دماغا جديدا عوّض كلّ أشكال التفكير التقليدية، ذاك الصندوق الإلكتروني الذي قد يجعل سلطة الآباء وبيداغوجيا الأستاذ والكتاب في شكله الكلاسيكي، وطقوسنا الدينيّة أمورا مثيرة للضحك في المستقبل القريب. لكن من هم أبناؤنا؟ لماذا لا يشبهوننا في أذواقنا وفي قيمنا وفي أحلامنا؟ يبدو أنّنا لم نفكّر بعدُ بما يناسب في هذا التحوّل العميق الذي هو بصدد الحدوث على ماهية الإنسان نفسه، إنسان المستقبل، الذي قد لا يحتاج أفكارنا عن الله ولا عن الدولة ولا عن الحبّ والجنس.

ولادة «الإصبع الصغيرة»

هذا النمط الجديد من الإنسان ينبّهنا إلى ضرورة التفكير فيه الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشال سار في كتاب صغير له (2012)، ترجمه إلى العربية د. عبد الرحمان بو علي، تحت عنوان «الإصبع الصغيرة». والإصبع الصغيرة أو الإبهام الصغير، رمز لهويّة مجهولة، فلانيّة، فرديّة وعالميّة، سريّة حميميّة وتواصليّة مشتركة في آن معا. كيف ولد هذا النمط الجديد من البشر؟ بأيّ عالم يحلم؟ وبِمَ يُحدّثنا؟

لقد دخلنا عالما جديدا كلّ شيء فيه تغيّر. لقد كنّا نعيش في القرى، فتحوّلت أريافنا إلى أماكن لقضاء العطل، فصارت القرى فارغة في حين تعجّ المدن بالسكّان. لقد امتلأ العالم فجأة فقفز النموّ السكّاني من مليارين إلى سبعة مليارات. لم يعد هذا النمط الجديد من البشر يتألّم كما نتألّم، ولا هو سيموت كما كنا نموت. إنّه يستفيد من كل الثورات الطبية ومن مسكّنات الألم ومن إمكانيات الموت الناعم أيضا. والسؤال الذي كان من المفروض الانتباه إليه هو « قبل أن نعلّم أيّ شيء لأيّ شخص، يجب ــ على الأقلّ ــ معرفته. فمن ذا الذي يتقدّم اليوم إلى المدرسة الإعدادية، الثانوية، أو الجامعية؟». إذن بدلا من الاستمرار في خطابات التشكّي من التلميذ الجديد، الذي لم يعد يطالع الروايات كما كنّا، ولم يعد يخاف من الأستاذ كما خفنا، ولم يعد منضبطا طيّعا كما انضبطنا، علينا الانتباه إلى هذا العالم الجديد الذي دخلناه: عالم الإنترنت بوصفه ثورة معرفية ووجوديّة عميقة لا أحد منّا بوسعه التنبّؤ بشكل المستقبل الذي تحمله لأطفالنا.

من هو إنسان السبّابة الصغرى؟ هي «السبابة» أو هو «الإبهام»، كي نحافظ على الاختلاف الجنسي كما يصرّ على ذلك الفيلسوف عمدا، «لم يعودا يسكنان الزمن نفسه، بل أصبحا يعيشان قصّة أخرى». هما وقع تشكيلهما تحت مجهر التكنولوجيات الحديثة منذ أن كان كلّ منهما في رحم أمّه إلى أن أصبح إزاء صور يوميّة للجثث، بحيث «منذ سنّ الثانية عشرة، يقوم هؤلاء الكبار على إجبارهم على رؤية أكثر من عشرين ألف جريمة». هما وقع صنع العالم أمامهما عن طريق الإشهار، بحيث يهمّش الإعلام المدرسة والجامعة، ونتحوّل إلى مجتمع مشهدي قائم على زمن جديد: ليس زمن متعة المطالعة أو التفكير أو الاكتشاف، بل هو زمن المشاهدة والاستمتاع والإغراء والنجاعة والبضاعة.. هذا النوع الجديد من الإنسان، «إنسان السبابة وإنسان الإبهام» هما، بتوصيف ميشال سار، «لا يملكان الرأس نفسه.. إنّهما لا يعيشان في المساحة نفسها.. ولم يعد لديهما الجسم نفسه، والعمر المتوقّع نفسه، ولا يتواصلان بالطريقة نفسها، ولا يريان العالم نفسه..». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا