• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

دفاتر التنوير

الفارابي.. الباحث عن المدينة الفاضلة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 05 يوليو 2016

إيمان محمد (أبوظبي)

وصفه ابن خلكان بأنه «أكبر فلاسفة المسلمين، ولم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنون الفلسفة» فعُرف بـ «المعلم الثاني» أي بعد أرسطو المعلم الأول، إذ اهتم بنقل مؤلفاته إلى العربية وقدم لها العديد من التفسيرات والتعليقات، وحاول التوفيق بين فلسفتي أرسطو وأفلاطون من جهة، وبين الدين والفلسفة من جهة أخرى، إنه الفارابي مبتدع المدينة الفاضلة على أسس السعادة والمعرفة.

ولد أبو نصر محمد الفارابي عام 260هـ/‏‏874 م في مدينة فاراب التركية، وتنقل بين بغداد وبلدان أخرى طالباً العلم حتى استقر في دمشق التي توفي فيها عام 339 هـ/‏‏950 م، وقيل إنه أتقن لغات عدة، ربما تصل إلى 7، منها العربية واليونانية، ووضع مؤلفات عدة في علوم مختلفة، حتى أنه حصر أنواع وأصناف العلوم في كتاب شهير يسمى «إحصاء العلوم» وهو صاحب أول كتاب عربي عن الموسيقى والمعروف بـ «كتاب الموسيقى الكبير»، ويروى أنه كان يعزف على آلات موسيقية فيبكي الحضور ويضحكهم، ويعود إليه الفضل في إدخال مفهوم الفراغ إلى علم الفيزياء، وإدخال مذهب «الفيض» في الفلسفة الإسلامية، ووضع مبادئ التصوف الفلسفي.

وضع العديد من المؤلفات والرسائل غير أن ما بقي منها ووصلنا 40 رسالة في الفلسفة والمنطق والعلوم والموسيقى والسياسة والاجتماع، وفي التصنيف.

تتضمن فلسفة الفارابي المذاهب الثلاثة المتعلقة بالمعاني الكلّية، وهي: المذهب القائل بأن الكلي سابق على الجزئي، والمذهب القائل بأنه قائم به، والمذهب القائل بأنه يحصل بعده، وللفارابي رأي في الوجود، وهو لا يعد في جملة المعاني الكلية، ذلك أنَّ الوجود علاقة نحوية أو علاقة منطقية، وليس هو بالمقولة التي تصدق على شيء في قضية، إذ ما وجود الشيء إلاَّ الشيء نفسه، كما يشرح الكاتب كميل الحاج.

وعند الفارابي كل موجود، هو إما واجب الوجود وإما ممكن الوجود، ولا ثالث لهذين النوعين من الوجود ولمّا كان الممكن لابد أن تتقدم عليه علة تخرجه إلى الوجود، ثم لما كانت العلل لا يمكن أن تتسلسل إلى غير نهاية، كان لابد من الانتهاء إلى موجود واجب الوجود لا علة لوجوده، وهو أزلّي، وهو موجود بالفعل من جميع جهاته ولا يعتريه التغير، وهو عقل محض، وهو البرهان على جميع الأشياء، وهو العلة الأولى لسائر الموجودات. ومعنى الموجود الواجب يحمل في ذاته البرهان على أنَّه يجب أن يكون واحداً لا شريك له، فلو كان ثَم موجودات، كل منهما واجب الوجود، لكانا متفقين من وجه ومتباينين من وجه، وما به الاتفاق غير ما به التَّباين، فلا يكون كل منهما واحداً بالذَّات، وإذن، فالموجود الذّي له غاية الكمال يجب أن يكون واحداً وهو الله.

وظهرت فلسفة الفارابي السياسية والأخلاقية في كتابه «آراء المدينة الفاضلة» باعتبار أنها المكان النموذج للبشر وهي خير المدن، وترتكز أهمية آرائه هنا في التطلع إلى السعادة الحقة التي يتمناها ويطلبها جميع الناس، بالتمييز بين الممكن والواجب، وبين المدن الفاضلة ومضاداتها، حيث إن الفارابي يبني المدينة من منطلق التمييز بين الصالح والفاسد من المدن، فهو يقصد من ذلك كله الإبانة عن الجماعة التي تطلب السعادة والمدن أو الجماعة التي يطلب أهلها أشياء مضادة، والسعادة في تصوره مرتبطة بالتركيبة الإنسانية والنفس الإنسانية على حد سواء، فتتحقق السعادة عندما تسيطر النفس العاقلة (فضيلتها الحكمة) على النفس الغضبة (فضيلتها الشجاعة) والنفس الشهوانية (فضيلتها العفة) يصل الإنسان في الأخير للسعادة.

ومن اللافت أن السمات المميزة لأهل المدينة الفاضلة تقوم على المعرفة، وفي مقدمتها معرفة السبب الأول وصفاته (أي الله) ومعرفة العقول والأفلاك، والأجرام السماوية والأجسام الطبيعية، ومعرفة الإنسان نفسه ليعرفوا السعادة ويمارسونها، أي أن المعرفة الكاملة بالوجود وبكل الموجودات حول الإنسان هي ما تقوم عليه المدينة النموذج هذه، وعلى رأس المدينة الفاضلة، يضع الفارابي الرئيس مثلما للوجود رئيس هو الله وللإنسان رئيس هو القلب.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا