• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

كبير المؤرخين الفرنسيين يرحل عن تسعين عاماً

جاك لوغوف مكتشف العصر الوسيط في التفكير المعاصر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 06 أبريل 2014

في الأوّل من شهر أبريل الجاري، توفّي المؤرّخ الفرنسيّ جاك لو غوف Jacques Le Goff، الذي لم يتردّد زملاؤه المؤرّخون وباقي المفكّرين الفرنسيّين الذين سارعوا إلى تأبينه بأنّه «آخِر الكبار» و«رائد عِلم التاريخ الجديد». قارنوه بأساطين هذا الميدان الذين طبعوه قبله ومعه بمياسمهم القويّة، من مارك بلوك، وكان لوغوف يعدّه أستاذه، إلى لوسيان فيبْر وفرنان بروديل وجورج دوبي الذين طواهم الموت قبله بسنوات قليلة. ففي إعادته اكتشاف العصر الوسيط، الذي جعل هو منه، منذ أوساط ستّينيّات القرن العشرين، مجال أبحاثه الأساس، طالما عُني لو غوف بتكوين نظرة شاملة لذلك العصر، بالرجوع إلى مصادر شتّى، وبتحبيذ العناصر الماديّة والحسيّة، كما ينقلها لنا أدب العصر، أدب رفعه هو إلى مصاف مرجع لا غنى عنه بعدما كان مهمَلاً من لدن المؤرّخين السابقين لصالح الوثيقة والأرشيف.

ولد جاك لو غوف في مدينة تولون الفرنسية في 1924، واشتغل أستاذاً للتاريخ في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بباريس، وكان هو نفسه رئيسه عدّة سنوات. وبعد أبحاث تندرج في الاهتمامات التقليدية لعلم التاريخ، منها كتاباه المعروفان «تجّار العصر الوسيط وصيارفته» و«المثقّفون في العصر الوسيط»، وسّع اهتماماته بصورة غير مسبوقة لتشمل المخْيال القرووسطيّ في شتّى تجلّياته، فاشتهر بأعمال مجدِّدة من أهمّها «حضارة الغرب القروسوطيّة» (1964) و«ولادة فكرة المطْهر» (1981) و«القاموس المشروح للغرب القرووسطيّ» (بالتعاون مع جان - كلود شميتْ، 1999)، و«أبطال العصر الوسيط وعجائبه» (2005).

ومن مصادر الجذب في فكر لو غوف كشفه عن بقايا العصر الوسيط في آليّات تفكيرنا المعاصرة، أي مساهمة الفكر القرووسطيّ وأنماط العيش القرووسطيّة في تكويننا، بما يرفع عن هذا العصر صورة فترة مظلمة شبه بدائيّة بقيت لصيقة به قبل صدور أعماله. فهو يعتبر أنّ الحياة الدينيّة لأهل العصر الوسيط التي أقامت للكائن فضاء جوّانيّاً أو حميماً يحيل على علاقته باللّه هو الذي يقف وراء ولادة الذات أو ولادة الفاعل بالمعنى الحديث للكلمة، أي امتلاك ما يدعوه المؤرّخ «أذناً داخليّة» و«عيناً داخليّة» تجمعان الكائن بفضائه الحميم، من حيث تربطه أذناه الخارجيّتان وعيناه البرّانيّتان بالعالَم أو بالغير. ولولا أهميّة العصر الوسيط لما شهد هذه الانبعاثات المتتالية التي يؤكّد لو غوف في بعض المحاورات المجراة معه على اثنين منها: العناية التي أبداها الرومنطيقيّون في القرن الثامن عشر وبعده بالأساطير والتمثّلات والشخصيّات القرووسطية، وانبعاث الكثير من هذه العناصر في السينما الحديثة.

وفي حوار مطوّل أجرته معه مجلّة «اقرأ» الفرنسيّة غداة صدور كتابه «أبطال العصر الوسيط وعجائبه» صرّح لو غوف بالقول إنّ اعتبار الأجيال السابقة من المؤرّخين العصر الوسيط ظلاميّاً و«بربريّاً» لم تصمد أمام أعماله وأعمال مجايليه الكبار وعلى رأسهم مارك بلوك وفرناد بروديل، التي كشفت فيه عن فكر حيّ يتجلّى أكثر ما يتجلّى في منتجات المخيال الاجتماعيّ والفنيّ التي نذر هو أغلب أعماله للبحث فيها ومساءلتها. وهنا يعيب المفكّر الراحل على التاريخ التقليديّ كونه لم يأخذ بعين الاعتبار لا تاريخ الأدب ولا تاريخ الفنّ ولا تاريخ القضاء، والحال كيف يمكن دراسة حقبة أو حضارة معيّنة دون الرجوع إلى هذه التواريخ الثلاثة؟ ذلك أنّ «رجال مجتمعٍ ما ونساءه يحيون ويفكّرون من خلال الصورة والمخيّلة بالقدر نفسه الذي يحيون فيه ويفكّرون من خلال تماسّهم مع الواقع والعقل”.

وأضاف: «من هنا أقول إنّه لفهم حقبة تاريخيّة ما ينبغي الرجوع إلى الشاكلة التي كان بها أهلها يفكّرون ويحلمون ويحسّون ويشعرون. ومن هنا أكتب أنّ المخيال يُهيكِل الأساطير وأنّه يمكن تعريفه بأنّه نسق أحلام مجتمعٍ وحضارة، أحلام تحوّل الواقع إلى تطلّعات مشبوبة للفكر الإنسانيّ. يكفي أن ننظر إلى المعمار والنحت والرسم لنقف فيها على طلبٍ أو انتظارٍ صادر عن جمهور العصر المعنيّ. والحال أنّ هذا الطلب كان صادراً عن مخْيالهم لا عن ضرورة اقتصادية أو اجتماعيّة أُخرى». (باريس- الاتّحاد)

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا