• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

صحيح أن بريطانيا ربما اختارت خياراً كارثياً ولكن أعتقد أنها ستجتاز الأمر دستورياً دون اللجوء إلى المزيد من عمليات الاستفتاء

الخروج البريطاني.. أزمة دستورية محتملة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 04 يوليو 2016

نوح فيلدمان*

ظهرت عبارة «الأزمة الدستورية» في أعقاب التصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي. واحتمال وقوع مثل هذه الأزمة مرتبط بما يمكن أن يحدث إذا رفض البرلمان الاسكتلندي الموافقة على الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي، وما سيقع إن تجاهل البرلمان البريطاني النتائج المحتملة للالتماس الشعبي الذي يطالب بإجراء تصويت آخر على أساس «قاعدة» جديدة تقتضي موافقة 60 في المئة ومشاركة 75 في المئة من الناخبين في الأمور التي تتعلق بالاتحاد الأوروبي. وكل هذا الحديث يثير سؤالاً لا يمكن تجنبه: ما الأزمة الدستورية تحديداً؟ وكيف تبدو أزمة دستورية في بلد نشأت فيه الفكرة الحديثة عن الدستور القومي وإن ظل بلا دستور مكتوب؟

لا يوجد تعريف رسمي للأزمة الدستورية وهذا في حد ذاته يعتبر حقيقة ذات دلالة. ووقوع أزمة يعني في الغالب أن يواجه بلد ما موقفاً لا تقدم فيه مبادئه الدستورية إجابة واضحة وحاسمة على المشكلة القائمة. وعلى رغم من أن عدم اليقين الدستوري يمثل شرطاً ضرورياً لنشوب أزمة فإنه غير كافٍ. وكي يعتبر وضع ما أزمة يتعين أن يشير فاعلون سياسيون أصحاب نفوذ، وهذا قد يتضمن قطاعات واسعة من السكان، إلى أنهم مستعدون للمضي قدماً في مسار معين بينما يكون هناك فاعلون آخرون ذوو نفوذ أيضاً مستعدون للمضي في طريق آخر.

وفي الولايات المتحدة، كما في معظم الدول، يثور عدم اليقين حين لا تستطيع الوثيقة المكتوبة التي يتفق الجميع عليها وهي الدستور أن تحسم صراعاً ذا أهمية كبيرة. ولكن هذا النموذج لا ينطبق بوضوح على حال المملكة المتحدة. ومن المعروف أن أول ظهور حديث لمصطلح «دستور» لوصف القواعد والمبادئ الحاكمة لممارسة السلطة العامة ظهر في إنجلترا في القرنين السابع عشر والثامن عشر. والتعريف الذي يعود إلى هذه الفترة، والذي يروق لي كثيراً، هو تعريف السياسي البريطاني الفيسكونت هنري سانت جون الذي كتبه عام 1733: «بالدستور أعني مجموعة من القوانين والمؤسسات والأعراف المشتقة من مبادئ ثابتة معينة للتفكير موجهة إلى غايات ثابتة معينة من الصالح العام بحيث تؤلف نظاماً عاماً وافق المجتمع على أن يُحكم به».

ولاحظ أن «الفيسكونت» تحدث عن «مجموعة» لأن بريطانيا حينذاك لم تكن لديها وثيقة مكتوبة واحدة يمكن اعتبارها دستوراً، وليس لديها ذلك أيضاً حتى الآن. ونتيجة لهذا، ما زال الدستور البريطاني مجموعة من القوانين المكتوبة والمؤسسات، مثل البرلمان، والممارسات المتعارف عليها، وربما الأهم الأفكار وهو ما أشار إليه «الفيسكونت» باسم «مبادئ التفكير» التي يتناولها ويجادل فيها عدد من الأطراف الدستورية الفاعلة. وقد أبلى الدستور البريطاني بلاء حسناً على الأغلب. وهذا هو السبب في أنه حتى بعد أن قدم مؤتمر فلاديلفيا عام 1787 أول دستور قومي مكتوب وبعد أن تبنت كل دولة في العالم تقريباً دستوراً مكتوباً خلال القرن الماضي ظلت بريطانيا تشكل استثناء. ويمكن القول إن عدم وجود وثيقة مدونة للدستور البريطاني يعزز عدم اليقين مما يجعل الأزمة بشأن الخروج البريطاني أكثر ترجيحاً مما لو كان للبلاد دستور مكتوب.

ولذا وعلى سبيل المثال، فإن استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي ليس ملزماً للبرلمان بشكل حرفي. وفي بلد له دستور مكتوب مثل الولايات المتحدة قد يكون من الأسهل للهيئة التشريعية أن تتجاهل استفتاء غير ملزم. ولكن المبادئ الدستورية غير المكتوبة لنظام ديمقراطي ستجعل الأمر يمثل معضلة للبرلمان إن فعل هذا لأنه يناقض الإرادة الشعبية التي عبرت عن نفسها في الاستفتاء. ودور البرلمان الاسكتلندي في التصويت على ترك الاتحاد الأوروبي يضيف تعقيداً للأمر مع غياب وثيقة دستورية بريطانية موحدة. وقد نقل تقرير لمجلس اللوردات بشأن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي عن السير ديفيد إدوارد القاضي السابق في محكمة العدل الأوروبية قوله إنه يرى أنه تتعين على البرلمان الاسكتلندي الموافقة على الانسحاب لأن القانون الاسكتلندي لعام 1998 يلزم البرلمان الاسكتلندي باتباع قانون الاتحاد الأوروبي.

والقانون الاسكتلندي من قوانين البرلمان البريطاني ووفقاً لأحد التقاليد الدستورية البريطانية القوية فمن المفترض أن تكون سيادة البرلمان مطلقة. ونظرياً يستطيع البرلمان تعديل القانون الاسكتلندي ومن ثم فإنه قد لا يتعين على البرلمان الاسكتلندي بعد ذلك أن يقبل الخروج البريطاني. ولكن من غير الواضح ما إذا كان القانون يعجل في حد ذاته بإحداث أزمة لأنه من الواضح بشدة أنه يتجاهل سيادة اسكتلندا. وفي المقابل فقد تنشب أزمة إذا أعلنت بريطانيا خروجها من الاتحاد الأوروبي وأعلنت اسكتلندا أنها قد اعترضت على هذه العملية.

ومن الجدير بالذكر أن بريطانيا لديها تقليد عريق في حسم مواجهاتها الدستورية المحتملة بسلاسة نسبية دون وثيقة مكتوبة. وهذا التقليد قد يشير إلى أنه بصرف النظر عن عدم اليقين الحالي فإن بريطانيا ستتمكن من تفادي أزمة دستورية في تسوية القضايا المتعلقة بالخروج. وفي النهاية أراهن على تقليد المرونة واتفاق الآراء. صحيح أن بريطانيا ربما اختارت خياراً كارثياً ولكنها ستجتاز الأمر دستورياً وسيكون هذا على أفضل ما يكون دون اللجوء إلى المزيد من عمليات الاستفتاء.

*أستاذ القانون الدستوري والدولي بجامعة هارفارد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا