• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

هل يحافظ على مكانته كحصن ضد الاقتتال الأهلي؟

الجيش اللبناني وتداعيات الحرب السورية

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 05 أبريل 2014

ديفيد شانكر

مدير برنامج السياسة العربية في «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»

يترنح لبنان في غمرة النزاع المحتدم منذ ثلاثة أعوام في سوريا. وعلى مدار العام الماضي الذي دار فيه قتال في سوريا بين المسلمين السنة اللبنانيين الجهاديين ونظرائهم من جماعة «حزب الله» اللبنانية الشيعية المسلحة، انفجر ما لا يقل عن 16 سيارة ملغومة في لبنان في أحياء شيعية وسنية. وفي ديسمبر اغتيل سياسي سني بارز. وتدفق إلى لبنان أكثر من مليون شخص أغلبهم لاجئون سنة من سوريا فارتفع عدد سكان لبنان أكثر من 20 في المئة، واختل التوازن الطائفي اللبناني الحساس. وبعد أقل من جيل على انتهاء حرب أهلية استمرت 15 عاماً وحصدت أرواح نحو 200 ألف شخص، يندفع لبنان مرة أخرى، على ما يبدو، نحو عدم الاستقرار. ويعتقد البعض أنه لولا القوات المسلحة اللبنانية لانزلقت البلاد بالفعل في حالة فوضى. ولم يتضح إلى متى سيظل الجيش قادراً على لعب هذا الدور الحيوي.

ويُنظر إلى الجيش على نطاق واسع باعتباره منقذاً وطنياً وحصناً لا غنى عنه ضد الحرب الأهلية. وفي السنوات القليلة الماضية، نشر الجيش قواته على امتداد لبنان وأقام نقاط تفتيش عند الخطوط الفاصلة بين الطوائف وقام بدور العازل بين المناطق المتناحرة. وأثناء قيامه بهذه المهمة وقع الجيش في وسط تبادل إطلاق النار بين السنة والشيعة بل وأصبح هدفاً لتفجير سيارات ملغومة. وعلى خلاف المؤسسات الحكومية الأخرى، فالجيش هو المؤسسة الوحيدة المندمجة والفاعلة حقاً في لبنان، ويتفرد بكونه يعكس التنوع السكاني للبنان الذي توجد به 17 طائفة دينية معترفاً بها. والأهم من هذا، وعلى خلاف جهاز الأمن العام الذي يهيمن عليه الشيعة، وجهاز الأمن الداخلي الذي يسيطر عليه السنة، فمن المفترض أن الجيش غير متحيز، مما يحقق له دعماً شعبياً واسعاً. لكن المفهوم الخاص بحيادية الجيش بدأ يتغير في الآونة الأخيرة، مما يهدد مكانة المؤسسة وربما تماسكها التنظيمي.

وعلى مدار العقدين الماضيين اضطلع الجيش بدور لا خلاف عليه في تأمين عشرة مخيمات للاجئين الفلسطينيين في لبنان، وبالتصدي لقتال الجماعات المحلية المنتسبة لـ«القاعدة». ورغم أن «حزب الله» احتفظ بترسانة عسكرية كبيرة بعيداً عن سيطرة الدولة، فلم يواجه الجيش هذه الجماعة قط خشية أن يؤدي هذا الأمر الحساس سياسياً إلى انشقاقات داخل صفوفه على أساس طائفي. لكن تسرب آثار الحرب في سوريا إلى لبنان أضاف تعقيدات على النهج التقليدي للجيش والمتمثل في ترك «حزب الله» وشأنه. فقد أثار التزام الجماعة الشيعية المسلحة بالدعم العسكري للنظام السوري غضب سنة لبنان المكبوتين تاريخياً، وظهرت علامات على تشدد وسط الطائفة السنية. وفي نفس الوقت تشير تقارير إلى عبور مئات المسلحين السنة، وبعضهم ينتمي إلى «القاعدة»، من لبنان إلى سوريا. وتتمثل المشكلة في أنه بينما لا يزال الجيش يحرص على تجنب الوقوع في صدام مع «حزب الله» فإنه يتبنى موقفاً أكثر عدائية تجاه المسلحين السنة. وهذا التوجه دفع الكثير من اللبنانيين السنة لأن يستنتجوا بأن الجيش لم يعد محايداً. فخلال معركة لتبادل إطلاق النار، في يونيو 2013، بين الجيش والشيخ السني السلفي أحمد الأسير وأنصاره في صيدا، قتل أكثر من عشرين جندياً. ولم تنكسر شوكة «الأسير» الذي هو من مؤيدي الانتفاضة السورية ومنتقد بارز لـ«حزب الله»، إلا بعد عملية عسكرية منسقة للجيش و«حزب الله». وبالإضافة إلى التعاون العسكري مع «حزب الله»، شن الجيش حملة اعتقالات وإطلاق نار استهدفت السنة، ومنهم زعماء دينيون بسبب تقديمهم مساعدة لمقاتلي المعارضة السورية، مما زاد غضب الطائفة السنية. وفي يناير وحده، اعتقل الجيش 12 ناشطاً سنياً على الأقل وقتل اثنين آخرين بإطلاق النار عليهما. وقبل ذلك بشهرين توفي سني متورط في تفجير سيارة ملغومة من تدبير تنظيم «القاعدة» عند السفارة الإيرانية في بيروت داخل معتقل عسكري بسبب فشل كلوي. وفي نفس الفترة لم ترد أي تقارير عن اعتقالات في الشيعة.

ومن المؤكد أن «القاعدة» لا تحظى إلا بقليل من الجاذبية وسط الغالبية العظمى من سنة لبنان، لكن استياء السنة من حصانة «حزب الله» يتصاعد. وكما قال النائب السني مصطفى علوش في الآونة الأخيرة «عندما يطبق القانون على جانب واحد فهذا يخلق ظلماً.. ما يشعر به الشارع السني هو أن هناك غض طرف عن حزب الله وقسوة تجاه الجانب الآخر».

ومع تصاعد أعداد الضحايا في سوريا ولبنان، يتصاعد هذا الشعور. وفي الشهر الماضي، أصدر الفرع اللبناني لـ«جبهة النصرة» السورية المنتسبة لـ«القاعدة» بيانين دعيا السنة إلى ترك الجيش الذي «يهيمن عليه حزب الله». وزعمت الجبهة أن الجيش «أصبح أداة في أيدي المشروع الشيعي.. وإذا نظر المرء إلى المعتقلين فبوسعه أن يقرر أن جميعهم من السنة.. هل اعتقل أحد من الشيعة لقتاله في سوريا؟». وسوف نرى إلى أي مدى سيؤثر إعلان «جبهة النصرة» على الجنود السنة الذين يمثلون 30 في المئة من الجيش. وإذا ظل الجيش يُنظر إليه باعتباره متحيزاً لـ«حزب الله» في استهداف المسلحين السنة، فمن شبه المؤكد أن تؤثر الولاءات الطائفية في نهاية المطاف على معنويات الجنود. وهناك حالياً علامات جلية على تصدعات في الجيش اللبناني. فهناك قلق من احتمال تحلله وفقدانه مكانته مع عدم ظهور نهاية في الأفق لحرب سوريا. ففي عام 1975 قبل وصول مستويات العداوة بين السنة والشيعة لما هي عليه الآن، لم يستطع الجيش منع ولا احتواء الحرب الأهلية، واليوم مع تصاعد التوترات الطائفية في لبنان، من الصعب تخيل مسار مختلف للقوات المسلحة في لبنان.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. انترناشيونال»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا