• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

شذريات: محمد الماغوط

ما فائدة الاسم الصحيح والوطن معتل!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 مارس 2015

شذريات: محمد الماغوط اختيار: رضاب نهار

ولد الشاعر والأديب السوري محمد الماغوط عام 1934 في مدينة السلمية بمحافظة حماه، وكتب للسينما والمسرح والتلفزيون، كما كتب الرواية والشعر والمقالة، راصداً حدود الوطن العربي بكل ما يملك من ألمٍ وغضبٍ وسخرية ونقد، ما جعل كتاباته تتميز بكونها من الأدب الساخر. توفي في دمشق عام 2006، بعد أن صدرت له العديد من المؤلفات والكتب مثل: رواية "الأرجوحة"، مسرحية "كاسك يا وطن"، مسرحية "غربة"، والمجموعة الشعرية "الفرح ليس مهنتي". وهذه الشذرات مأخوذة من: رواية "الأرجوحة"، "سأخون وطني" مجموعة مقالات، "سياف الزهور" نصوص. ================

كنت أعرف أطال الزمان أو قصر، سأعود إلى الكتابة كما يعود القاتل إلى مكان الجريمة، لقد راجعت كل مكاتب الاستخدام في العالم، فأبلغوني بأن يدي لا تصلحان إلا للقيود.. *** ومع ذلك سأكتب وأكتب عارياً حتى وسطي كالعبد المساق إلى ساحة الجلد ولا شيء يحميني من المحيط إلى الخليج سوى الغطاء الجوي للكرة الأرضية. *** الكل ينأى، ويغترب، ويرفرف بجناحيه بعيداً عن الآخر وأنا أريد أن ألتحم مع أي شيء.. ولو بالسلاح الأبيض * ولذلك لن أنام بعد الآن في مكان واحد مرتين متتاليتين وكالطغاة أو الأنبياء والمستهدفين سأضع شبيهاً لي في أماكن متعددة، في وقت واحد لا لتضليل الوشاة والمخبرين، فقد صاروا آخر اهتماماتنا ولكن لتضليل القدر *** (...) وإنني بهذه المناسبة أنصح هذا الوطن العجوز الخرف أن يقوم بنفس الشيء ولا ينام في خارطته ليلتين متواليتين *** وما دام الحوار الوحيد المسموح به في معظم أرجاء الوطن العربي هو حوار العين والمخرز فلن ترتفع إلا الأسعار ولن تُنصب إلا المشانق ولن تُضم إلا الأراضي المحتلة ولن تُجر إلا الشعوب *** وها هي سهراتنا تدوم وتدوم حول اللهب المغذى بكل ما هو أخضر أو يابس من خيرات الوطن وأظافرنا تطول وتطول، حتى تكاد أن تبلغ الدول المجاورة دون أن يعترضها أو يقف في وجهها أحد إنها وديعة الأمة فينا متى طلبتها وجدتها ناشبة في وجهها وعنقها وعينيها!! *** هل يمكن يا حبيبتي أن يقتلني هؤلاء العرب إذا عرفوا في يوم من الأيام أنني لا أحب إلا الشعر والموسيقى، ولا أتأمل إلا القمر والغيوم الهاربة في كل اتجاه.. *** وإذا ما سألوكِ: أين أذهب أحياناً عند المساء فقولي لهم: إنني أعطي دروساً خصوصية في الوطن العربي في توعية اليائسين والمضللين. وإذا ما بدوت يائساً في بعض الأحيان، فأكدي لهم أنه يأس إيجابي، وإذا ما أقدمت على الانتحار قريباً فلكي ترتفع روحي المعنوية إلى السماء. *** ومع احترافنا لكل حرف في لغتنا، ومع تقديرنا لجميع ظروف الزمان والمكان في كل جملة ومرحلة في الوطن العربي لا بد أن نسأل: ما الفائدة من الاسم إذا كان صحيحاً.. والوطن نفسه معتلاً؟ *** هل فقدت الشعوب العربية إحساسها بالأرض والحرية والكرامة والانتماء إلى هذه الدرجة؟ أم أن الإرهاب العربي قد قهرها وجوّعها وروّعها وشرّدها سلفاً أكثر بكثير مما فعلته وما قد تفعله إسرائيل في المستقبل؟ *** يتركون لنا بقايا الشمس لندفأ بقايا الموائد لنأكل بقايا الليل لننام بقايا الفجر لنستيقظ بقايا الموسيقى لنسمع بقايا الأرصفة لنمشي بقايا الأصابع لنكتب ثم يتركون لنا الوطن من المحيط رلى الخليج، لنقاتل ونموت من أجله. *** لا أتذمر من شيء، ولا أطمح لشيء! أي طعام آكل وأي لباس أرتدي وأي حذاء أنتعل ولأي طائفة أنتمي بأية شروط اقبل على أية ورقة أوقع وحيث يدركني النعاس أنام كالحيوان!! لا أخجل من شيء، ولا أحن إلى شيء، ولا أبالي بشيء وشكراً للثورات العربية المباركة! الثورات العربية: لا شكر على واجب!! *** وأنا أضع اللمسات الأخيرة لتمثال "اليأس الخالد" من كل شيء عربي، وأطرح مرقتي وإزميلي جانباً، وأتأمل بكل فخر وإعجاب وخيلاء وثقة بالنفس، عضلات الحزن والقهر والإحباط المفتولة والنافرة من العنق والصدر والفخذين والذراعين، وأكاد أقول له: انطق!! كما قال مايكل انجلو لتمثال موسى من قبل.. يأتيني فدائي مجنون، من الجنوب.. أو الشمال.. ويرشق وجهي، ووجه تمثالي، وعضلاته المفتولة والنافرة بدمه، ووحل حذائه "إذا كان عند حذاء" ويمضي إلى غير رجعة. فألتقط مطرقتي وإزميلي، وأحاول من جديد. *** الرأي الحر، الرأي الآخر، الرأي المستقل. الرأي المعاكس. وجهة نظر، نقاط على الحروف، ما قلّ ودلّ. بصراحة. أضواء على الأخبار. أخبار تحت الأضواء. البعد الأيديولوجي. البعد السيكولوجي. فتختلط السياسة بالأدب بالدين بالتاريخ بالاقتصاد. *** "الالتزام بقواعد المرور ذوق وأخلاق وأمانة وحضارة" أخي السائق: لا تعبر على ممر المشاة اعبر على المشاة *** أيها الاسم الغدور، والراقد على حرفه الأول كالغزالة، يا بلسم الخراب ودم الطفلة المنتقاة بالأصابع! اذهب بعيداً بعيداً كالجناح المكسور، ملثماً أو حاسر الرأس، فالخوذ الفضفاضة ملأى بالأحلام وقمل الأوسمة. *** إنه مجزأ مبعثر كزجاج نافذة قُذفت بحجر، شامخ ومليء بالعهر والرضوخ، يموت عطشاً كي يكون امرأة.. امرأة في كوخ.. ذبابة في ميدان.. حذاء برتقالة.. طفلاً أعمى.. قرد في غابة، وليس رجلاً مستمراً بين أرض وسقف.. *** (...) ونهض على ركبتيه مرة أخرى. كانت النافذة محطمة الزجاج وراء المحقق. ومن خلالها تئن الأسلاك الشائكة ومخافر الحراسة، جبال نجوم قمر. جبال وطنه، نجوم وطنه، قمر وطنه، كلها بعيدة ومراوغة بينما لاحت له شجرة جرداء تنحني وتنتصب مع الريح، تخبط أغصانها خبطاً على التراب كأنها تبحث عن غرسة صغيرة فقدتها وهي نائمة. *** كان جديراً بأن ينحت خياله على الرخام والبرونز، ويغرس حتى ركبتيه فوق جبل من الغبار لتهدأ الفراشات المتبقية على شاربيه الأسودين وليشرب الرعاة الظامئون من راحتيه المملوءتين بماء المطر.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف