• الخميس 02 ذي الحجة 1438هـ - 24 أغسطس 2017م

تسبرُ القاع المجتمعي وتكشف سلبياته

«ابن القبطية» لـ وليد علاء الدين.. تشظيات روح حائرة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 03 يوليو 2016

فاطمة عطفة (أبوظبي)

تبدأ رواية «ابن القبطية» آخر أعمال الشاعر وليد علاء الدين، بتقرير طبي عن حالة الفصام التي يعاني منها يوسف حسين، ابن القبطية. ثم نكتشف أن يوسف حسين يكتب روايته بناء على نصيحة من طبيبه الذي يكتشف حبه للقراءة والكتابة، فيقترح عليه أن يكتب خواطره وتهيؤاته، وهكذا تصبح الكتابة وسيلة للخلاص وطريقة في العلاج، لكنه لا يكتب ما يجول في خاطره بصراحة بل يعمل على تنقيح كتاباته، ولا يتردد بأن يتهم نفسه بالكذب.

ومع أن يوسف ثمرة حب مثالي بين أبيه حسين وأمه مريم، إلا أن الآخرين من أصحاب الأفكار المتطرفة يحاولون زرع الخوف في نفسه، بدلا من الحب. وتكشف أحداث الرواية أن أهل حبيبته «أمل»، المنذورة له من الصغر، يرفضون زواجه من ابنتهم لأن أمه غير مسلمة، وليس لأي سبب آخر. من هنا تبدأ مشكلة البطل وتتسع معاناته فتسبب له أزمة نفسية وعلة عصبية واجتماعية، سببها انعدام التسامح وغياب حس المواطنة وطغيان التعصب وتسييس الدين.

وتعكس الرواية كوابيس البطل الشخصية والاجتماعية، وتكشف الكثير من السلبيات في بنية المجتمع وما يدور من الألاعيب البيروقراطية في العمل وإجراء المقابلات الشكلية للتوظيف، لكنها تتمحور حول تشظيات العلاقة بين الأديان، خاصة حين يعلَق يوسف بين منذر، الداعية الإسلامي الذي يحاول اجتذابه إلى صفه وانخراطه معه في التطرف واستعدائه حتى على أمه، وبين متعصب آخر من الطرف المسيحي هو جورج. وهكذا، «وجد نفسه محاصرا بين الظلين... شعر بأنه غير قادر على الحركة... فر قلبه خارج صدره حين انتبه إلى أنه مربوط من ساقيه بحبلين...». لكنه، بدلا من المواجهة، يحاول التهرب قائلا: «إنه الحشيش، بلا شك، إنه الحشيش».

وعندما يدبر له منصور «زوج أمل» عملاً في أحد فنادق شرم الشيخ، يتورط يوسف في مشكلة جديدة مع «راحيل» الإسرائيلية، وهي بنت أب يفتخر بإصرار بأنه من أصل مصري.. وأم تصر على أنها يهودية. لكن راحيل، المختصة بدراسة الأديان المقارنة، تجد حلمها في يوسف، راجية أن ترزق منه بابنة تجمع بين أصول الأديان الثلاثة، وهي تبذل أقصى ما تستطيع حتى تغويه، وهو يحاول جاهدا أن يقاوم غوايتها، لكنه يستسلم لها في النهاية، على الرغم من أنه كان يعتبر نفسه عصيا على أي امرأة. وهو يلقي اللوم على الشراب السحري الذي سقته إياه.

ويلخص لنا يوسف حالته بما يلي: «ستقولون إنني أهذي، سوف تحتارون بين ما أدونه بلسان حالي وما أصفه كأنني أراه في غرفتي...»، فهو لا يعيش حياته مباشرة، لكنه يحكي لنا خليطاً من تداعياته وما مر معه، وهو يرى الأشباح والظلال تحاصره في غرفته، ويراقب شخوصها برهبة وهي تظهر أمامه على الجدار المواجه للنافذة، فلا نعلم عن تلك الأحداث أو أصحابها إلا من خلال هلوساته، وهو يرى مشاهدها تتكرر أمامه من خلال التداعيات، وهو دائما يرجع السبب للحشيش الذي بدأ يتعاطاه ليهرب من مشكلته، فوقع في مشكلة أكبر وأخطر. ومن خلال استعراضه لحكايات أمه وأمل وأحلامهما يلقي كثيراً من الضوء على جوانب من حياته ومعاناته في حبه وفي عمله الذي توقف بسبب الركود السياحي.

ونطالع في نهاية الرواية فصلاً بعنوان «الكراسة الزرقاء». ويبدو أن حالة يوسف المرضية قد تطورت وزادت تعقيداً، فالكوابيس والتهيؤات التي تعتريه تنقله إلى عوالم أخرى، فيستعرض مشاهد صوفية من جلال الدين الرومي وعرنوس، كما نرى معجزات الشيخ ضباب في طرد الأعداء. واللمسات الجميلة في المشاهد الصوفية، وخاصة الرقص، وامتزاج النثر بالشعر يزيد من جمال السرد ويعطيه متعة إضافية.

تقع الرواية في 180 صفحة من القطع المتوسط، وهي مؤلفة من 20 فصلاً، إضافة إلى ملحق بعنوان: «من كراسة يوسف الزرقاء» يضم 5 فصول، وهي من منشورات دار «الخان كتب للنشر والتوزيع» بالقاهرة.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا