• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

نحو جوار بلا ادّعاءات كونية

الشعوب والمعنى...

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 26 مارس 2015

كيف نفهم هذا النوع من الافتقاد؟ ومن يفتقد «ذاته» هل هو قادر على البقاء؟ تقف الشعوب على مسافة مرعبة من ذاتها التي تفتقدها. ومع ذلك هي تواصل الانتماء إلى الإنسانية، كأفق فارغ من الشعوب، يمكن ويحقّ لأيّ شعب أن يدّعي امتلاكه بشكل أو بآخر، كقيمة مضافة. ماذا تضيف الشعوب كي تنتمي إلى الإنسانية؟ مع الافتراض المزعج بأنّ الانتماء إلى الإنسانية هو شكل البقاء الوحيد الذي يحتاجه شعب ما كي لا ينقرض، مثل بقية الأمم الغابرة.

وها إجابة نيتشه: تضيف أهدافا جديدة (!). قال: «لا يستطيع أيّ شعب أن يحيى دون أن يبدأ أوّلا بتقدير الأشياء حقّ قدرها؛ بيد أنّه إذا ما أراد أن يحفظ ذاته، إذن عليه ألاّ يقدّر كما يقدّر جاره».

التقدير هنا هو رسم الحدود بين الخير والشرّ في أفق شعب ما. ومن يقدّر يخترع «سلطة الخير والشر» التي يعوّل عليها شعب ما من أجل حفظ ذاته من التشبّه بأيّ شعب آخر. وحسب نيتشه لا توجد على الأرض سلطة «أقوى من سلطة الخير والشر». إلاّ أنّه علينا التنبيه سريعاً إلى أنّ المشكل لا يتعلق رأساً أو حصراً بأحكام الخير والشر بالمعنى المعياري. ليست الأخلاق هنا بُعدا معياريّا يمكننا عزله، عن السياسة أو عن الدين أو عن العلم مثلا. بل كلّ ما يقدّره شعب ما على أنّه شيء يخصّه أو يحمل توقيعه هو جزء لا يتجزّأ من خريطة الخير والشر في أفقه الروحي. هو جزء لا يتجزّأ من ماهية السلطة في قلبه. لكنّ خطورة هذا النوع الأقصى من السلطة لا يقف عند تقييم الأفعال أو رسم معالم السيرة الحسنة بعامة. بل هي تكمن في أنّ سلطة الخير والشر هي شكل الحياة الذي يشتق منه شعب ما هويته العميقة. ولذلك ليس ثمّة من فواصل وجودية بين الشعوب مثل الاختلاف الأخلاقي. ونعني به خريطة الخير والشر في أفقه باعتبارها تشكّل منطقة الروح التي لا يمكن التفاوض حولها لأيّ سبب من الأسباب الوجيهة. وذلك لأنّه وحده هذا الاختلاف الأخلاقي بين الشعوب هو ما يضمن حدود البقاء لكل شعب على قدر طاقة التقدير التي يتوفّر عليها.

الشعوب والحدود

تبدو هوية كل شعب بمثابة قدرة أخلاقية عميقة على تقدير الحدود التي تفصله عن شعب آخر. ليس الفصل مطلوبا لذاته، لكنّه مرتبط بالقدرة الخاصة على البقاء. من لا يحفظ ذاته العميقة هو يوجد في أفق شعب آخر. وعلينا أن نسأل عندئذ: أين الإنسانية؟ - تبدو الإنسانية بمثابة سياسة حدودية بين الشعوب في نطاق النزاع على سلطة الخير والشر. لكنّ ذلك يعني في واقع الأمر أنّ الشعوب تعمل بلا عالم. أو تتحرك دوما على حدود عالم لا تمتلكه. ليس ثمّة عالم واحد، وإنّما ثمّة جوار متعدد العوالم داخل حدود مفتوحة على إنسانية لا وجود لها. وهكذا بدلا من الارتكاس إلى هوية مغلقة ونهائية، بوصفه غاية لذاتها، يشير نيتشه إلى «ذات» كل شعب وكأنّها شكل من الحياة الذي يؤمّن نوعا مطلوبا من البقاء. الهوية إذن هي سلطة الخير والشر التي اخترعها شعب ما من أجل بقائه، راسما بذلك خطّا أخلاقيا متحرّكا يفصله عن كل الشعوب الأخرى، وخاصة عن «جيرانه».

كلّ شعب آخر هو جار ميتافيزيقي يهدّدنا بقدر معيّن من التماثل معنا. ولذلك يسعى كلّ شعب إلى رسم لوحة قيم تجعله قادرا على العودة إلى ذاته في كل مرة من مسافة ما. هنا نفهم ما يقصده نيتشه بالتقدير: إنّه رسم المسافات بين الشعوب. وهو نمط صعب من فنّ الجوار على أيّ شعب أن يتقنه حتى يفلح في البقاء. البقاء كضرب من حفظ الذات العميقة التي لا يحق لأي شعب آخر أن يشاركه فيها إلاّ عرضاً. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف