• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

قضايا العرب يتعامل معها العالم، وفي القلب منه الأمم المتحدة بلا اكتراث ولا مبالاة.. وبأسلوب إدارة الأزمة لا حلها، لأن العرب يريدون العلاج من خارج الأمة.

فاشل ويواصل.. بلا فاصل!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 25 مارس 2015

العالم كله، أو ما يُسمى المجتمع الدولي كله مشغول بالتشخيص، وليس مشغولاً بالعلاج. والسياسة مثل الطب في العالم العربي، ثراء وتقدم وإبهار في التشخيص والتحاليل والأشعة، وفقر وتخلف في العلاج. والعالم يتعامل مع مشاكل وقضايا العرب كما يتعامل العرب مع قضاياهم بالتشخيص والوصف الدقيق للمرض لكن بلا علاج.. تقدمنا جداً في التحليل والتشخيص وأصبح عامة الناس والدهماء والسوقة يعرفون كل صغيرة وكبيرة عن المرض وعن السياسة. يعرفون أكثر من الأطباء والساسة، لكن لا يوجد علاج سواء عند الأطباء أو الساسة أو العامة. لقد تقدمت جداً وسائل التشخيص الطبي أو السياسي أو الاقتصادي، لكن الأمراض والأزمات والمشاكل في عالمنا العربي تتحدى العلاج والحلول. وأنا مثل غيري ممن يكتبون ويؤلفون ويلحنون في المساحة الممتدة من المحيط إلى الخليج مجرد (مشخصاتية). نردد نفس قول الشاعر: كأنهم والماء من حولهم. قوم ومن حولهم ماء والانتشار السرطاني للإعلام هو نفس الانتشار السرطاني لوسائل وطرق التشخيص، لكن لا توجد أدوية أو حلول. وفي الطب يُقال إن الأمراض كما هي لم تتغير وليس صحيحاً أنها انتشرت أكثر من ذي قبل، لكن الصحيح أن وسائل التشخيص هي التي انتشرت. الآن عرفنا فقط أسماء الأمراض وأعراضها وأننا مرضى، والمعرفة شقاء وعذاب. فالمريض الذي لا يعرف أكثر سعادة من المريض الذي يعرف أنه مريض، والذين عرفوا أنهم مرضى تدهورت حالتهم النفسية والصحية أضعافاً، وهكذا أيضاً بالنسبة لمن يعرفون الأمراض والمعضلات السياسية العربية. هؤلاء يزداد شقاؤهم وعذابهم، والذي يعرف يشعر بالندم ويقول: ليتني ما عرفت.

والعالم يتعامل مع القضايا العربية مثل تعامل العرب مع أزماتهم ومشاكلهم.. نفس الإدانة والاستنكار والشجب والشعور بالقلق والصدمة والامتعاض.. وهذه البيانات كلها بيانات تشخيصية لا علاجية.. لذلك لا علاج ولا حل لأي أزمة عربية.. فالعرب هم صنَّاع أزماتهم وهم أعداء أنفسهم، وهم يتقاتلون بالوكالة لا بالأصالة، يتقاتلون بالوكالة عن قوى دولية وإقليمية، كما أنهم اتفقوا منذ سنوات طويلة على ألا يتفقوا، والقاتل في أمة العرب لا يعرف لماذا قتل والمقتول لا يعرف لماذا قتله قاتله. والعالم مثلنا تماماً ليست لديه إرادة لحل أزماتنا، لكنه يفعل ما نفعل أي يدير أزماتنا، ولا يحلها حتى نتكيف مع المآسي ونعتاد الأزمات وتصبح الكوارث أمراً عادياً عندنا، وهو ما نعيشه حالياً بكل تفاصيله، فقد صارت المذابح والمجازر والهجمات الإرهابية والدماء والدمار أموراً عادية في أمتنا، ولا تشد الانتباه ولا تثير الدهشة. أصبحت الاضطرابات والقلاقل هي القاعدة في هذه الأمة وصار الهدوء والاستقرار استثناء. وقد قيل إن العمليات الإرهابية والمآسي في أمتنا لو تخلفت يوماً واحداً، فإن هذا هو الخبر المدوي الذي يجب أن يحتل الصفحات الأولى في الصحف، ويتصدر الأخبار في الفضائيات والإذاعات، لكن وقوع هذه الهجمات والمآسي، لم يعد خبراً يسترعي أو يستدعي الانتباه والالتفات. فالعرب الآن يمرون على المآسي كراماً.. والعالم كله يتابع مآسينا بربع وعي وبلا تركيز..

وها هو ينصرف عنا تماماً، حيث تصاغ تحالفات جديدة بين أميركا، وإيران، وتركيا وقوى أخرى لا وجود للعرب فيها.. وقد قيل إن المرء الذي لا قيمة له.. هو الذي لا تخافه ولا تأمنه.. يعني لا يخيفك ولا أمان له في آن معاً. وهذا هو أمر العرب الآن. فلا أحد يخافهم ولا أحد يأمنهم، لذلك لا أحد يتحالف معهم، ولا أحد مشغول بهم. وقد تحركت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بقوة وحلت أزمات مستعصية وخطيرة في العالم كله مثل أزمة البلقان وأزمة الشيشان، بل وأفغانستان وإيران- وحالياً أزمة أوكرانيا التي اقتربت كثيراً من الحل. لكن قضايا العرب يتعامل معها العالم، وفي القلب منه الأمم المتحدة بلا اكتراث ولا مبالاة، وبأسلوب إدارة الأزمة لا حلها، لأن العرب يريدون العلاج من خارج الأمة، ويراهنون على مواقف الآخرين وليست لديهم إرادة للحل. لكن لديهم قدرات خارقة على التأجيج والإشعال وخلق المآسي. وتسعون في المئة من القرارات الدولية في مجلس الأمن بالتحديد تخص قضايا العرب ولا سيما قضية فلسطين، لكنها تبقى دائماً حبراً على ورق. فالسؤال الذي يسأله العالم: ماذا لو لم نحل قضايا العرب؟ ماذا لديهم من أوراق ضغط أو أوراق لعب على الطاولة؟ لا شيء بالطبع. وقد عرف العالم كله أن العرب قادرون فقط على إشعال الحرائق لكنهم عاجزون تماماً عن إطفائها. والحرائق والحروب في الأمة العربية تحمل كل العناوين واللافتات حروب مذهبية حروب طائفية. حروب عرقية، حروب إرهابية، ولا تكاد تعرف من مع مَنْ ولا مَنْ ضد مَنْ، بالإضافة إلى الحروب الكلامية التي أجدناها عبر القرون. ومع مرور الوقت بهتت حتى التلاشي فكرة العروبة والأمة العربية. وأصبحت جامعة الدول العربية، وهي هكذا منذ نشأتها مجرد نصب تذكاري للعربي المجهول .. وهكذا فإن النظام العربي أو النسق العربي أصيب بالفشل الدماغي والكلوي والكبدي، ورغم أنه فاشل، فإنه يواصل بلا فاصل!

محمد أبو كريشة*

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا