• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

هذه نار سورية.. وهذا حريقها

الجوع في زمن الديكتاتوريات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 يناير 2016

كم حكاية ستحكى عن مضايا وجوع مضايا؟

قيل بأن الصين هي زعيمة البطون الخاوية بلا منازع، فماضيها سلسلة متصلة من الكوارث الغذائية أسفرت عن أعداد لا تحصى من الموتى، حتى إن أول ما يبادر به صينيٌ صينياً آخر سؤاله: هل أكلت؟ كان عليهم أن يعتادوا على أكل ما لا يُؤكل، ويُقال: لهذا لديهم هذا القدر من رهافة الذوق في فن الطبخ. لكن مضايا كانت ذواقة ومبدعة في فن الطبخ، أخشى أن ينسيها الجوع فنونها، الكبة بأنواعها المختلفة: الكبة العادية، كبة البطاطا، كبة بكشك، كبة يقطين، كبة بمرمزا، كبة عكوب، كبة حيلة، كبة عصافير. والكبة اللبنية والمشوية والمقلية.

هل ستنسى مضايا الزطة؟ ليست أكثر من لبن وبرغل وطحين ولحمة، لكن يد امرأة مضاويّة تعرف كيف تبدعها فتخلب اللب معها. أم الرشتاية: وهي عبارة عن معكرونة مع عدس، والمغمومة: وهي من دبس وبرغل، فهما لوحتان تؤكلان بالعين قبل الفم. والمحاشي؟ كوسا محشو، باذنجان محشو، وبندورة محشية، وفليفلة محشية. عندما كنت أطلب وجبة المحاشي في المطعم يسخر مني أصحابي: هل قطعتِ كل هذه المسافة لتأكلي المحاشي؟ ألا تحضرينها في البيت، فأقول: لمحاشي مضايا نكهة لا تصحّ مع غيرها. كذلك طبق الجدي بالزيت، أو طبق من الخضراوات اليابسة، أو القاورما المحضرة من لحم خروف معلوف بسخاء ومربّى بطريقة «التزقيم» كما يسمّونها.

هل سينسي الجوع سكان مضايا تراثهم في فن الطبخ؟ لا أظن ذلك، ربما في لحظة المخمصة لا يبقى صوت غير صوت أمعاء تتضور، ولا تبقى صور غير أطياف يبدعها الخيال تحت سواطير الجوع تدنو من الأفواه وتهرب في لعبة تعذيب إضافية، فالجوع هو تلك الحاجة الفظيعة التي تنشب مخالبها في الكائن كلّه، إنه ذلك الفراغ الآسر، والتوق إلى الامتلاء، إنما عند سدّ قليل من الرمق ستنتعش الذاكرة وتستعيد مخزونها. ولكن مثلما ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، لكنه بدون الخبز لا يمكن أن يحيا، ومن يتحكم باللقمة يتحكم بالعقول والإدراك والإبداع.

أرجوحة الجوع

تتطرق الكاتبة الألمانية الحاصلة على نوبل، هيرتا مولر، في رواية «أرجوحة النفس» عن طريق الراوي الذي انتزع مع كثيرين من وطنه وماضيه وهو ابن السابعة عشرة، حاملاً معه كل ما عنده أو كل ما يملك في عربة معدّة للحيوانات، مع آخرين، قبل أن يحملهم القطار إلى الأصقاع الباردة الجرداء، ليؤدوا طوال خمس سنوات أعمالاً متنوعة شاقة بلا مقابل مادي لإعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية، إلى الجوع الذي يشكّل الثيمة الرئيسية للرواية، فالراوي منذ الفصول الأولى يجعل من الجوع قضيته التي كان يناضل ضدها من أجل أن يبقى حيّاً: لا توجد كلمات مناسبة لوصف عذاب الجوع. يجب عليّ أن أرى الجوع اليوم وقد استطعت الإفلات منه. صرت ألتهم الحياة بتفاصيلها منذ اليوم الذي لم أعد فيه مجبراً على أن أجوع. أنا حبيس طعم الأكل، حين آكل منذ أن عدت من المعسكر إلى البيت، منذ ستين عاماً أكافح ضد الموت جوعاً، ويبقى الجوع عالقاً في الذاكرة، في زاوية من الروح، لا يغادر حتى مع انتهاء مسوّغاته البيولوجية. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف