• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

بابوات روما.. صحْوة كَنسيّة أم سياسة الأمر الواقع؟

دانتي.. صاحب المقام العالي في المخيال الإيطالي

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 يناير 2016

كتابة - جانفرانكو رافازي ترجمة وتقديم: عز الدين عناية

جدير أن يحوز دانتي مقاماً عليّاً في المخيال الإيطالي بوصفه رمزاً من الرموز الثقافية البارزة، في بلد كابد لأجل تحقيق وحدته الوطنية، وذلك لما لعبه الشاعر من دور في صياغة هوية إيطاليا اللغوية. فإيطاليا التي قامت على أنقاض ممالك وجمهوريات وإمارات عدة، تبقى مَدينةً لصاحب الكوميديا في نحت لسانها وتوحيده، في ذلك المسار العسير الذي دحضت فيه الإيطالية الدانتية، أو بالأحرى إيطالية فلورانسا، سائر الألسن الأخرى، السردينية والنابوليتانية والفريولية واللادينو والأوشيتانية وغيرها كثير، حتى أبقتها في حدود الاستعمالات الضيقة. ضمن تنافس المتنافسين على دانتي أطلّت كنيسة روما، وإن حصل ذاك متأخراً، في محاولة لاحتضان إرثه الثقافي، رغم أن الرجل أولج بابواتها أبواب البرزخ مثل: نيقولا الثالث وبونيفاس الثامن وكليمنت الخامس، فهل هي صحوة كنَسيّة لمراجعة التاريخ أم هي استراتيجية الأمر الواقع؟ صحيح أن دانتي كان كاثوليكياً ولكنه ما كان من أنصار الثيوقراطية وحشْرِ السيفين في غمد واحد، كما رنت الكنيسة طيلة العصور الوسطى، مستلهمة ما ورد في إنجيل لوقا (22: 38): «يا رب ها هنا سيفان»، فقد انتقد دانتي الكنيسةَ في مسألتين رئيستين: فساد الإكليروس وغواية السلطة، بوصف فساد المدينة متأت من هذا الزيغ، فالنشيد التاسع عشر من «الكوميديا الإلهية» هو مانيفستو صريح ضد الانحدار الخلقي، منذ أن هلّت «حقبة الفجورقراطية»، أو «حكومة الفاجرات» التي جثمت على الكنيسة، حتى سماهم دانتي بالسيمونيين نسبة إلى الساحر سيمون الوارد ذكره في سفر «أعمال الرسل» لبولس.. هنا ترجمة لمقالة تستعيد موقف البابوات من دانتي وأفكاره.

أبدت الكنيسة الكاثوليكية في العديد من المناسبات اهتماماً بدانتي أليغييري من خلال الاحتفاء به، وقد بدا ذلك جلياً عبر تصريحات ورسائل جملة من البابوات، كما نوّهت الكنيسة بعلوّ مقام مؤلف «الكوميديا الإلهية»، معتبرة إياه عنصراً أساسياً من عناصر تراثها الثقافي والديني، وذلك لعمق الصلة الرابطة بينه وبين الإيمان المسيحي وسائر التأملات اللاهوتية المتشكّلة حول حقيقة الإيمان. نستعيد في هذه المقالة مناسبات الاحتفاء حديثة العهد بدانتي، لنتبيّن ما أولاه بابوات روما، وباسم مجتمع الكنيسة، من عظيم الشأن للشاعر.

بندكتوس الخامس عشر

في الرسالة البابوية «In praeclara summorum» الموجهة إلى الهيئات الثقافية العليا في العالم الكاثوليكي وإلى أساتذة وطلاب معاهد الدراسات الأدبية (30 أبريل 1921)، أحيا البابا بندكتوس الخامس عشر الذكرى المئوية السادسة لرحيل دانتي. وبالمناسبة أقرّ ترميم المصلّى المجاور لكاتدرائية سان فرانسيسكو، الذي يحوي ضريح دانتي.

وقد أوضح البابا بندكتوس في الرسالة المذكورة «الصلة المتينة بين دانتي وكاتدرائية القديس بطرس، لما تضمّنه قول الشاعر، طيلة حياته، من إعلاء لشأن الكاثوليكية، فقد كان على مذهب القديس توما الأكويني، وكان مطّلعاً على الأسفار المقدسة وعلى كتابات آباء الكنيسة»، محتفياً «بإلمام دانتي الواسع ورهافة حسه»، كما أقرّ بندكتوس الخامس عشر «إن إلهام الشاعر مستوحى من الإيمان الإلهي»، بوصفه المقصد الأعلى للكوميديا الإلهية، التي يرنو فيها إلى تمجيد العدالة والعناية الربانية.

ففي نص دانتي الشعري ثمة حضور للحقائق الجوهرية للكنيسة الكاثوليكية، ودانتي كما يذكر البابا قد أبدى تماهياً مع الإيمان المسيحي بوصف «الرب هو الوحيد الذي أملى النص». وفي ما يتعلق بانتقادات دانتي اللاذعة لكنيسة روما في ذلك الزمان، ساير البابا بندكتوس الخامس عشر موقف الشاعر قائلاً: «من يستطيع أن ينكر الأشياء التي يلام عليها إكليروس ذلك الزمان؟». فبالنسبة إلى بندكتوس الخامس عشر «يختزن دانتي روحاً معاصرة»، بل لعلّه أكثر حداثة من نظرائه المعاصرين. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف