• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

مغارة الحكايا و«بابور أبو صياح» و«السيران» والحنين إلى أقاصي الروح

مضايا..الحكاية الغائبة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 21 يناير 2016

سوسن جميل حسن

«صفّر، صفّر يا بابور، وخدنا عالزبداني.. ببقّين منعمل فطور والغدا ببلودانِ».

هذه الأغنية للفنان السوري رفيق سبيعي «أبو صيّاح» الذي توحّد في الوجدان الجمعي بالشخصية الشامية «الزغرتاوية» منذ ستينيات القرن الماضي، يخترقني صداها آتياً من مغارات الزمن الجميل، فتلامس أوتار قلبي وتدفعني بحنين وحزن إلى أقاصي الروح. أيام كان التلفزيون بالأبيض والأسود، وكان يأخذ استراحة في فترة بثه الموزّعة على ساعات النهار وحتى انتصاف الليل، فيبث فترة صباحية عند السابعة صباحاً، وأخرى مسائية تبدأ في الخامسة مساء بالنشيد العربي السوري، ثم تلاوة من الذكر الحكيم.

يومَذاك.. لم تكن هناك فضائيات، ولم يكن العالم قد أصبح «قرية صغيرة»، ولم تكن محطات البث الإذاعي أو التلفزيوني «مع الحدث، وقبل الحدث أحياناً». لم يكن التلفزيون يسمم حياتنا بأخبار ملفقة أحياناً ومواربة أحياناً أخرى، ولم نكن نشاهد جثثنا وأجزاءنا المقطعة بعد انهمار براميل متفجرة من السماء، أو انفجار سيارة مفخخة أو يقودها انتحاري - اختلط عليه المعنى بين قتل النفس ليقتل آخرين لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا بالمصادفة في المكان - وبين الشهادة. لم تكن صورنا ونحن جائعون تستثمر في سباقات الأجندات، حتى جوعنا كان له معنى آخر، كما هو جوع كل البشر، وكنا نعرف كيف نسكته وكيف نشبع من دون أن نشْجع. كان في بيوتنا فضاء للأحلام، وفي قلوبنا رحابة للمحبة والألفة. لم نكن مترفين، لكن في خزائن مطابخنا التي تُدعى «نمليّة» وغرف المونة ما يكفينا من طعام في أيام البرد والقلّة، تصرف أمهاتنا وجدّاتنا الكثير من أوقاتهنّ لتحضير مونة الشتاء. يوم كان للزيتون موسم، وللمكدوس موسم، وللحبوب مواسمها، والمربيات واللحوم المقددة والخضار الميبسّة والفاكهة المجففة، والعصائر المحلاّة والمخللات، والزعتر والكشك، ودبس البندورة والفليفلة الحمراء، ودبس العنب، وحتى عصائر الكرمة المخمّرة. وأشياء أخرى ممّا تجود بها أرض سورية، وكانت سورية تجود، وأمهاتنا يجُدن بفيض محبة، وجدّاتنا بنبع الحكايات. لكن الشعب السوري يجوع اليوم، وبعض منه يُجَوّع، حصار هنا وحصار هناك، بنوايا شيطانية ولعب سياسية خسيسة، من دير الزور إلى الفوعة وكفريا، إلى مضايا الوادعة النائمة على ارتفاع ألف وأربعمائة متر عن سطح البحر، وفي أعلى أحد جبالها تطلّ عليها قلعة «الكرسي» وفيها مقامان مجهولان، وقلعة أخرى تدعى «قلعة الديوان» تحتوي أطلالاً رومانية، وهي الى الشرق من مدينة الزبداني، تنفلت منها الطرق التي تربط بينها وبين بلودان والزبداني ودمشق وبقين. مدن سورية مقطعة الأوصال، فرقتها السياسة والمصالح والحروب، وجمعها الحرمان والجوع تحت الحصار. تستيقظ مضايا صباحاً منذ التاريخ الغابر فتسبّح بجمالها وتبتسم للحياة وتستعيد الحكاية في بالها كي تحكيها لأبنائها القادمين من الضباب ومن قوس قزح.

من أم ضياء والضاوي إلى مضايا

حكاية ترجعنا إلى أيام النبي موسى عليه السلام، كانت القبائل «المديانية» تقطن أواسط أراضي «كنعان» في «فلسطين»، وكانت الحروب قائمة آنذاك بين القبائل العبرانية والقبائل المديانية. كانت تصل غزوات القبائل «المديانية» إلى شمال «فلسطين» وباتجاه «كلشيش» و«عنجر»، وقيل أن مجموعة من إحدى القبائل «المديانية» جاءت للاستراحة على سفوح جبال «سنير» عند «اليبوسيين» الذين كانوا على خلاف وعداء مع العبرانيين، فلقوا منهم القبول والترحيب والدعم وأعجبوا بالمنطقة وبذلك السهل المتطاول والمحمي بالجبال المحيطة به من كل جانب، فاختاروا السفح الشرقي المطل على سهل «الزبداني»، والذي لم يكن مأهولاً آنذاك وكان موقعاً متوسطاً في إطلالته على السهل، ومتصدراً بواجهته، فاستقروا فيه وأطلق على ذلك الموقع اسم «مادايان» أو «مادايا»».

أما الحكاية الأخرى فتقول: قبيلة عربية من قبائل «بني بكر» نزحت من ديارها باتجاه الشمال واستقر قسم منها في شمال «فلسطين» وجماعة أخرى تابعت طريقها شمالاً، حيث استقرت في موقع يسمى اليوم باسمهم «ديار بني بكر» في جنوب «تركيا» وشمال «سورية». شاءت المصادفات أن تخلفت جماعة صغيرة من تلك القبيلة أثناء هجرتها لأن أميرة من أميرات بني «بكر» كان قد مات زوجها في طريق رحلتهم ونزوحهم. كانت الأميرة على وشك الولادة وكان وضعها الصحي سيئاً فاضطرت جماعتها وأهلها إلى التوقف في هذا المكان حتى تشفى وتتم ولادتها واختاروا السفح الشرقي الذي تتوسطه مساحة كبيرة من الأشجار والأدغال القائمة حول ينابيع المياه والذي يبعد عن طريق القوافل والجيوش والمارة وكان أكثر أماناً وراحة لهم، هناك ولدت الأميرة طفلاً وضاء الوجه جميلاً جداً مع أول خيط من خيوط النهار، فأطلق عليه «ضياء» وأصبحت الأميرة تدعى «أم ضياء». استقرت الأميرة بصورة دائمة هناك مع أهلها وأقاربها واشتهرت المنطقة باسم «أم ضياء» وأصبح المكان كله يدعى مع الأيام واختصاراً «امضايا»». ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف