• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

روضة من الجنة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 يونيو 2016

أجملُ المواعيدِ مع الأحبابِ، تلك التي تباغتُكَ على حِين غرَّة دون أن تتجهَّز لها، فكيف إن كان هذا الموعدُ مع الحبيبِ الذي لا يعلُو على مكانِه في القلب أحدٌ سوَى الواحد الأحدِ سبحانَه وتعالى؟

قبل أذانِ المغربِ، تطرُقُ بابَكَ بُشرَى، وتتلقَّى دعوةً كريمةً من أحد الفُضَلاء، يُخبركَ بأن لك مكانًا لصلاةِ المغربِ وتناوُلِ الإفطارِ في الروضةِ الشريفةِ بمسجد خيرِ الأنامِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، لتظنَّ في البدايةِ أنه حُلم، تتأمَّل حروفَ الرِّسالةِ مرارًا حتى يأتيكَ اليقينُ بأنكَ المَعنِيُّ بالدعوةِ، تتلقَّفُها بسرورٍ يملأُ أوصالَكَ، تستعدُّ حائرًا لا تدري من أين تبدأ... هل تحصر أسماءِ من أَوْصَوْكَ بالدعاء؟ أم تتذكرُ من غادروا دنيانا بأجسادِهِم ولا تزال ذكراهم حاضرةً؟ تشعر بعَجزٍ يتملكُكَ والكلماتُ سارحةٌ في غيابٍ، وقلبكَ يلهجُ بما يحضرك من دعاءٍ وفيضِ أشواقٍ!

تُسارِع الخُطَى بين جموعِ الصائمين في الساحاتِ الخارجيَّة للحرمِ النبويِّ، غيرَ مُدركٍ كيف مرَّتْ بك اللَّحظاتُ التي قطعْتَها من الفندق إلى مَدخلِ الروضةِ الشريفةِ، لتجدَ مُرافقًا مِضْيافًا ينتظرُكَ ثم يصحَبُكَ إلى حيثُ الروضةُ الشريفةُ ممسكًا بيدكَ خوفًا أن يفقدك وسطَ زحامِ الحُشودِ والموائدِ الرمضانيَّةِ الممتدَّةِ هنا وهناك.

إلى الروضةِ الشريفةِ تصلُ، ومِنبرَ خيرِ الأنامِ تتأمَّلُ، وبين مِحرابِه ومَقامِه تتدبر، ونفسُكَ المشتاقةُ تسألُ: ماذا لو كنا قد عشنا عصرَ الصحابة؟ هل كانوا يجلسونَ في الروضةِ ينتظرونَ ارتقاءَ نبيِّ الرحمةِ على المنبرِ خطيبًا يُفقِّهُهم في الدين ويمنحُهم حياةً إلى حياتهم حتى تذوب الأفئدةُ إيمانًا، ثم يتهيَّؤون للصلاةِ من خلفِه، صلاةً تعدِلُ ألفَ صلاةٍ. من شدَّة الشوقِ تخالُه يخرجُ عليكَ من المَقامِ الشريفِ صاعدًا على المنبر يتأمَّلُك، وتتساءلُ: بماذا ستَنطِق شفتاهُ الكريمتانِ لو كان بينَنا؟ وبماذا كُنَّا سنردُّ عليه حين نسمع صدَى كلماتِه: «وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ».

تنتفضُ وتستشعرُ عُمقَ الكلماتِ، ويهتزُّ كيانُكَ وأنت تنظرُ إلى هذه البقعةِ الطاهرةِ، بين بيتِهِ ومنبَرِه، ولسانُ حالك يُردِّد: هنا أعد هذا القائدُ العظيمُ رجالًا بحجم أمَّة، رفعوا لواءَ التوحيدِ من الفُرات إلى الأندلس بثوابتِ دين الرحمةِ والتسامُح والوسطيَّة، والبرِّ والإحسانِ وأرقَى القِيَم الإنسانيةِ.

تستفيقُ من شُرودِ ذِهْنكَ وفَيْضِ أفكارِكَ على وَقْع أذانِ المَغْرِبِ، تَستدعِي من ذاكرَتِكَ كلَّ ما يَحضُرُكَ من دعاءٍ لكَ ولوالدَيْكَ ولأهلِكَ ولخاصَّتِكَ بينمَا الوقتُ يباغتُكَ، تتناولُ إفطارَكَ مع لفيفٍ ممَّن أحاطُوكَ برعايةٍ كريمةٍ، لتكونَ في مَعِيَّتَيْن، الحضرةِ الشريفةِ التي سلَبَتْ أنفاسَكَ شغفًا، وجمعِ الفُضَلاءِ ممَّنْ مَنحوكَ حفاوةَ الضيافةٍ وحُسْنَ الوِفادَةٍ.

في هذه الأثناءِ تتنقلُ ببصرِكَ بين المِنبَرِ والمَقَام، حتى يُنبِّهُك المُضيفُ عليكَ أن تغادرَ بعد أن صلَّيْتَ المغربَ ودعوت بقلبِ القاصدِينَ ورجاءِ المُقصِّرين. تخرجُ من الروضةِ، ويخيِّمُ عليكَ الصمتُ، فلا بلاغةَ في القولِ ولا فصاحةَ يجودُ بها اللِّسانُ، بعد أن أدركْتَ أنكَ غادرْتَ للتوِّ روضةً من رياضِ الجَنَّة، وكما روى الشيخان، عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَال: «مَا بَيْنَ بيتي ومنبري رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ».

الدكتور عماد الدين حسين

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا