• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

دفاتر التنوير

جمال سند السويدي كاشف السراب برؤية 360 درجة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 يونيو 2016

كمال عبد الحميد (أبوظبي)

بين محدودية البصر واتساع البصيرة تستمر رحلة الإنسان في سعيه إلى امتلاك الحكمة وفضاءاتها، غير أن ذلك لا يتحقق بالتمني فقط، والطريق إلى شعلة الوعي المقدسة ليس مفروشاً بالورود، بل إن المشقة في تحصيل المعرفة هي أول تحديات الطريق، وقليلون هم الذين اختاروا التعب وبذل الجهد، فاقتنصوا الحكمة، واستطاعوا أن يحرروا العين من قدراتها المحدودة، وأن يوظفوا العقل توظيفاً يحيط بما تلتقطه العين إحاطة كاملة وشاملة، بما يجعل الرؤية بانورامية كاشفة لمختلف جهات الحدث أو المكان، وإذا كانت التقنية الحديثة المسماة (التصوير بدرجة 360) تعد ثورة في التصوير الفوتوغرافي والفيديو، فإن العقل البشري بمخزونه المعرفي وتنوع روافده الفكرية يمكن أن يكون له السبق في تحقق هذه التقنية على مستوى الفكر من خلال الإحاطة الشاملة بموضوع ما، والنظر العميق في اتجاهاته كافة، واخضاع تفاصيله الصغيرة والكبيرة للتحليل الدقيق، واستنباط الخفي المستور فيها.

المفكر الاستراتيجي الإماراتي الدكتور جمال سند السويدي، استطاع خلال مسيرة ممتدة من العطاء أن يقدم هذه الرؤى الشاملة لمجمل القضايا التي تصدى لها بالدراسة والتحليل، وهي رؤى لا تترك شيئاً للمصادفة، ولا تُخضع شيئاً للبحث أو التدقيق إلا وكان النتاج جديداً وعميقاً وكاشفاً، ذلك أن ثقافته الموسوعية التي تشكل نظرته للأشياء وللأحداث تمثل –إن جاز التعبير- تحليلاً برؤية كاشفة تبلغ 360 درجة، وهذا التحليل ليس تصويراً يعمل على التقاط الظاهر فقط، وإنما هو محصلة رؤية أكثر عمقاً في تتبع مسارات الحدث ورصد الظاهر والباطن، المتحرك والثابت، ما قبله، وما بعده، وقراءة ما تحمله الصورة من دلالات حتى وإن بدت متناهية الصغر.

هذه الرؤية العميقة يمكن القول إنها تشكل المكون الرئيس في المشروع الفكري والتنويري للدكتور جمال سند السويدي، خصوصاً أن عناوين مؤلفاته، والقضايا التي تصدى لها، تكشفان عن إيمان حقيقي بقيمة الإنسان أياً كان جنسه أو لونه أو عقيدته، وعن شغف أصيل بالمستقبل وأدواته، إضافة إلى كونه أحد أبرز المفكرين العرب الذين عملوا بدأب على توسعة نوافذ الاستنارة، وإزاحة الظلام الذي يكاد يشد المنطقة وشعوبها من عقولهم قبل رقابهم إلى نهايات مأساوية باسم الدين، عبر افتراءات كبرى روجت للدم، وسرقت سماحة الإسلام، متاجرة به تجارة ترفع على دكاكينها رايات سوداء، وهي تجارة خاسرة مهما بدت رابحة كذباً ووهماً في أذهان أصحابها.

استعراض عناوين مؤلفات الدكتور جمال سند السويدي يرسم لوحة زاهية عن عالمه الفكري المتنوع، فهناك كتابه «حركات الإسلام السياسي والسلطة في العالم العربي: الصعود والأفول»، و«آفاق العصر الأميركي: السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد»، و«مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة: نظرة مستقبلية»، و«وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك»، و«السراب».. وغيرها من الكتابات والدراسات والحوارات التي تؤكد حضوره البارز في المشهد الفكري العربي.

على سبيل المثال، فإن كتابه «السراب» الذي صدر عام 2015 باللغة العربية، ثم باللغتين الإنجليزية والفرنسية، حقق إقبالاً كبيراً على مستويات عدة، بداية من القارئ العادي إلى المتخصص، وصولاً لمراكز الدراسات العربية والأجنبية، وكما يقول الدكتور جمال سند السويدي، فإن دوافعه لتأليف هذا الكتاب عديدة: «يعبّر كتاب «السراب» عن رؤيتي الذاتية التي تنطلق من أن الصراع الذي يخوضه عدد من الدول في العالَمين العربي والإسلامي، ضد الفكر المتطرف وجماعاته وتنظيماته، ليس محصوراً في نطاق أمني وعسكري، بل هو حرب ممتدة وذات طابع فكري في الأساس، بل يمكن أن نقول: إن شقها الفكري يتطلب تخطيطاً بعيد المدى، لا تقل أهميته عن أي معالجات خططية على الصعد الأمنية والعسكرية، بل ربما تفوقها، ولذا، أرى أن البحث العلمي يمتلك دوراً حيوياً في حماية الأمن الوطني للدول والمجتمعات، عبر نقاشات علمية جادة للتحديات والتهديدات، وتفكيكها وتحليلها وطرح البدائل والحلول اللازمة لمعالجتها».

ما يقوله الدكتور جمال سند السويدي في الفقرة السابقة هو يقينه الذي تأسس من خلال عقل موسوعي مستنير، ويعكس رؤيته الفاحصة والكاشفة للسراب والأوهام التي يصدرها المتشددون، رافعاً قلمه وفكره حائط صد أمام جيوش الظلام، إعلاء لقيم الحضارة والعلم، وما أبلغ ما يسجله بقلمه حين يعلن عن المسؤولية الحتمية الملقاة على عاتق الذين اختاروا أن يكونوا في صف الإنسان والتقدم والاستنارة: «دور الباحث في لحظات الصراع التاريخية، أن يصطف في مقدمة المدافعين عن القيم الإنسانية والحضارية في مواجهة غلاة المتشددين من أعداء الحضارة والإنسانية والتقدم العلمي».. من هذه الكلمات يجيء الضوء الذي لن تغلبه ظلمات، أو تحده رايات سوداء.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا