• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

«المواطنة في الدولة المسلمة».. ارتباط بين الإنسان والوطن

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 30 يونيو 2016

حسام محمد (القاهرة)

يقول الدكتور علي الصلابي مؤلف كتاب «المواطنة والوطن في الدولة المسلمة الحديثة» إن مفهوم المواطنة يتبلور من خلال حركة المجتمع وتطوراته وتحولاته التاريخية، ومن هذا المنطلق تسهم المواطنة في تشكيل شخصية المواطن، وتعمل على تبادل الحاجات والمنافع والمسؤوليات ضمن موروث اجتماعي مشترك من المبادئ والقيم والمعتقدات والأخلاق والسلوك والعادات والتقاليد ويمنحها خصائص تميزها عن غيرها، وبهذا يصبح الموروث الاجتماعي حماية وأماناً للوطن والمواطن في ذات الوقت، فالمواطن يحتمي بالوطن عند الملمات والأزمات ويقوم بالدفاع عنه عند التحديات فالوطن هو المواطن والعكس صحيح لا يستغني أحدهما عن الآخر.

الكتاب يضم خمسة فصول يناقش في الفصل الأول مفهوم أو مصطلح المواطنة في اللغة والاصطلاح والتطور التاريخي لمفهومها، مؤكداً أنه يعتبر من المفاهيم القديمة الحديثة التي يدور حولها جدلٌ كبير وانه قد شهد تغيراً جذرياً في استخداماته ومضامينه، وأصبح مفهوماً مجتمعياً شاملاً متعدد الأبعاد، مشيراً إلى أن جذور الوطن والمواطنة تعود إلى آدم وزوجه عندما كانا يسكنان الجنة، ويأكلان منها رغداً حيث شاءا، وكانت كل حاجتهما مكفيَّة، كما قال تعالى لآدم في الجنة: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى)، «سورة طه: الآيات 118 - 119»، مضيفاً أن الكلمة لها أصل عربي مرتبط بموطن الإنسان، ومستقره، لكنها في نفسها كتركيب، ومصطلح تم استحداثها تعبيراً عن الوضعية السياسية والمدنية والحقوقية للفرد في الدولة، وبذلك تكون «المواطنة رابطة التزامية تقوم في زمان ومكان واحد».

يناقش المؤلف في الفصل الثاني المواطنة والمفاهيم المتعلقة بها، حيث يبين العلاقة بين الوطن والمواطن والمواطنة والهوية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمفهوم الحقوقي للمواطنة والبعد المقاصدي لها والجنسية وطرق اكتساب صفة المواطنة، ويتوقف طويلاً أمام العلاقة بين المواطنة والدين، حيث يؤكد أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي حرص على اعتبار كل الطوائف غير المسلمة من هؤلاء الذين يعيشون في أرجاء الدولة المسلمة مواطنين وأنهم أمة مع المؤمنين ما داموا قائمين بالواجبات المترتبة عليهم فاختلاف الدين ليس - بمقتضى أحكام الصحيفة - سبباً للحرمان من مبدأ المواطنة والدين في الثقافات الإنسانية وركائز دولة المواطنة كالسيادة والشورى ومحاسبة الحاكم ومساءلته، وكلنا نتذكر وثيقة المدينة التي أصدرها النبي صلى الله عليه وسلم عقب وصوله المدينة المنورة والتي أكدت على استبدال مفهوم الفرقة والصراع بين الشعوب والقبائل، بمفهوم الأمة القائم على الوفاق والتعايش مع حفظ الخصوصيات، حيث تكوَّن لأول مرة في المدينة مجتمع تتعدد فيه علاقات الانتماء إلى الدين والجنس، ولكن تتوحد فيه علاقة الانتماء إلى الأرض المشتركة، هي أرض الوطن.

يوضح المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب الأدلة القرآنية والنبوية المتعلقة بالوطن والمساواة بين جميع أبنائه لدرجة أن تجلى تطبيق مبدأ المساواة على الفقهاء الذين أجازوا للمسلم أن يتصدق من ماله على غير المسلم، وأن يعطيه من النذور والكفارات، مستشهدين بآيات من القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، «سورة الإنسان: الآية 8». في الفصل الرابع يناقش المؤلف حقوق المواطنين وواجباتهم، حيث يوضح المعاملة المتساوية بين المسلمين وغيرهم من حقوق الحماية وتوفير مقومات الحياة وحق العمل والكسب وغيره، كما بين أهم ضمانات حقوق المواطنين، والواجبات الملقاة على عاتقهم على اختلاف أديانهم. ويناقش المؤلف في الباب الخامس كيفية معالجة الصراعات الطائفية وبين فيه أهمية معالجة الصراعات الطائفية في البلدان، وأشار إلى فكرة المواطنة العربية الإسلامية تقوم على بناء دولة يعيش كل أفرادها في سلام وأمن بعيداً عن الفرقة أيا كان نوعها، كما يؤكد على أن الدولة المسلمة ملتزمة دائما بالعمل على معالجة الصراعات الطائفية الداخلية، مشيراً إلى أن المسلمين كانوا المجتمع الوحيد الذي انشأ دولة مدنية يساعد الدين على تقدمها وازدهارها بعكس الغرب الذي أقام دولة دينية كهنوتية تحكمت في العباد وأذلتهم. وفي نهاية الكتاب أشار الباحث إلى جهود العلماء والمفكرين من أبناء الأمة العربية والإسلامية في البحث عن وسائل لتحقيق الوحدة بين بلدان المسلمين والمحاولات المستمرة للبحث عن آليات تحقق الهدف المرجو نحو تكتل الأمة العربية وتوحدها على غرار التكتلات في الغرب وأشهرها الاتحاد الأوروبي.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا