• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

حرر اللغة الفرنسية من الأساليب البلاغية الركيكة وجعلها متدفقة

موليير.. البشع المرح الجميل!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 أبريل 2014

حسونة المصباحي

في جميع أنحاء العالم، يحب الناس أن يقولوا إن اللغة الفرنسيّة هي لغة موليير، تماما مثلما يقولون إن اللغة الألمانية هي لغة غوته، واللغة الإنجليزية هي لغة شكسبير. فصاحب المسرحيّات الساخرة الذي هو موليير يجسّد بحق عبقرية اللغة الفرنسية أكثر من الكتاب والشعراء الآخرين في العصر الكلاسيكي، إذ إنه حرّر اللغة الفرنسيّة من القوالب الجامدة، ومن الأساليب البلاغيّة الركيكة التي كانت تكبّلها في السابق لتصبح لغة منسابة، متدفقة، متناغمة مع الحياة اليوميّة...

المحاماة والكتابة

وإلى حدّ هذه الساعة لا تزال مسرحيّات موليير تقدّم في المسارح الكبيرة والصّغيرة على حد سواء. ولا يزال الناس بمختلف مشاربهم، وأذواقهم يقبلون على مشاهدتها إقبالا منقطع النظير. وبحسب كتّاب سيرته، فإن موليير الذي ولد في باريس عام 1622، كان بشع الخلقة منذ صباه. وعندما تقدمت به السن، وأصبح مشهوراً، وصفه أحدهم قائلاً: «كان موليير جديّا، له وجه كئيب، وابتسامة مريحة، لكنها شاردة إلى حدّ ما. وكان بشعا بشكل واضح جليّ. فأنفه ضخم، وشفتاه غليظتان، وحاجباه كثّان، وشديدا السواد، وله لحية، وشاربان ينزلان إلى الأسفل. وكان ضخم الجثّة، غير أن ساقيه كانتا قصيرتين. وكان عنقه قصيراً أيضاٍ. وكان رأسه المغروس بين كتفيه يمنحه شكلا غير مستحبّ. لكنه شكل مرغوب فيه في المسرح الكوميدي والفكاهي».

وكان والد موليير تاجرا غنيّا مختصّا في بيع الفرش، والبسط، والنجود. وعند بلوغه سنّ العاشرة، توفيت والدته، فتزوج والده امرأة ثانية غير أنها سرعان ما توفيت هي أيضا. وبعد تخرجه في معهد «كلارمون» اليسوعي الذي كان يتردّد عليه أبناء الطبقة الأرستقراطية، انتسب موليير إلى الجامعة ليدرس الإنسانيّات، والفلسفة والحقوق. وكان طالبا مجدّا يتميّز بذكاء خارق. لذلك حظي بتقدير زملائه وأساتذته. وبعد إحرازه الشهادة العليا في الحقوق، عمل محاميا، وأخذ يتردّد على المحاكم من دون أن يبدي أيّ حماس للمهنة. لذا لم يلبث أن تركها ليعيش حياة لا يعلم عنها كتاب سيرته إلاّ الشيء القليل. وقد يكون اختلط في هذه الفترة بأبناء البورجوازية المتطلعين إلى الأفكار الجديدة، والمنتقدين للكنيسة.

وفي عام 1637، ظهر موليير من جديد مساعدا لوالده التاجر الثريّ. والشيء المؤكد أنه تمكن في هذه الفترة من الدخول إلى القصر الملكي. بل إنه رافق الملك الشاب لويس الرابع عشر في الرحلة التي قام بها إلى «ناربون» في عام 1642 مكلّفا بإعداد فراشه كلّ ليلة، والاعتناء به عند نهوضه من النوم. ثم لم يلبث موليير أن انقطع عن هذا العمل أيضا لينشغل بالمسرح الذي كان قد فتن به وهو لا يزال صبيّا صغيراً، يصطحبه جدّه لمشاهدة العروض المسرحيّة التي تقدّم في مسارح باريس في زمن لويس الرابع عشر الذهبي.

نجم ساطع

وبجزء من الميراث الذي حصل عليه من والدته، أصبح مشرفاً على مسرح كانت تمتلكه عائلة «بيجار»، ويدعى «المسرح المجيد». وهناك تعلم أشياء كثيرة، وبات يتمتع بقدرات كبيرة في مجال التمثيل. غير أن الفشل كان بالمرصاد بالنسبة لفرقة «المسرح المجيد». فكان على موليير أن يستدين لينقذ نفسه من السجن وذلك عام 1644. وأما السيدة «بيجار» الصهباء فقد كادت تبيع بيتها لتعيد للدائنين المبالغ التي اقترضتها منهم. ومع ذلك ظلّ موليير مفتونا بالمسرح، مؤمنا أكثر من أيّ وقت مضى بأنه المجال الوحيد الذي يمكن أن يبرز فيه مواهبه، ويعطي لحياته معنى. وفي تلك السنوات الصعبة والكالحة التي كان يعيشها، قام مع رفاقه القدامى في «المسرح المجيد» بإعداد مسرحيات تراجيدية قديمة لم تسمح لهم بالحصول على المال، غير أنها ساعدتهم على البقاء في قلب العالم الذي اختاروا العيش فيه، أي عالم المسرح. وبعد جولة في المدن الداخلية عاد موليير إلى باريس ليقدم فيها عرضا أمام الملك لويس الرابع عشر. وفي ذلك العرض، أبرز مواهبه، وقدراته الفائقة في مجال السخرية والفكاهة. وبعد العرض المذكور، بدأ يرتقي سلّم الشهرة، ومن دون أن تعترضه أيّة عوائق مادية كانت أم معنويّة.

وكانت مسرحيّة «الطائش» هي الأولى التي كتبها موليير، وبها حقّق نجاحا باهرا حتى أن الجمهور الذي شاهدها ظلّ يضحك على مدى ثلاثة أشهر. غير أن الشهرة الحقيقية تحققت مع مسرحية «المتحذلقات المضحكات». بعدها أصبح موليير نجما ساطعا في مسارح باريس، وفي صالوناتها، ونواديها التي يرتادها علية القوم.

وبالرغم من أنه كان شديد الاعتناء بصحته، بحيث لم يكن يشرب غير الحليب، فإن موليير انهار فجأة على الركح ذات يوم من أيام عام 1673. بعد ذلك بقليل بصق الدم، ثم فاضت روحه. وعقب ذلك بسنوات قليلة، وقف لويس الرابع عشر أمام نافذة من نوافذ قصر «فرساي»، وراح يتأمّل الحديقة كعادته. وفي لحظة ما التفت إلى الكاتب واللغوي القدير بوالو المكلف بتدوين سيرته، وسأله: «أيّ شيء سيبقى من فترة حكمي يا بوالو؟». وبعد أن فكر مليّا أجاب بوالو الملك الذهبي: «موليير يا صاحب الجلالة!». عندئذ نظر الملك مليّا في وجه الكاتب العجوز وقال وكأنه يخاطب نفسه: «موليير... ذلك المهرّج الظريف!».

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف