• الاثنين 06 ربيع الأول 1438هـ - 05 ديسمبر 2016م

جسر الحضارات

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 أبريل 2014

زكي نسيبة

اشتهرت الإمارات العربية على مر العهود بأنها جسر يربط ما بين حضارات وثقافات العالم. قبل 4 آلاف سنة كانت المجتمعات التي تقطن أماكن السكن في هيلي وأم النار، وغيرها من المواقع تقيم تجارة رائجة في النحاس مع حضارات سومر وبابل والهند. وفي القرون الوسطى، قام تجار اللؤلؤ من أبوظبي بتزويد أسواق السلع الرفيعة في قصور أوروبا الثرية عن طريق البندقية وفلورنسا. وبعد سنوات الانحسار الاقتصادي والعزلة السياسية في مطلع القرن العشرين استطاعت الإمارات من جديد، خاصة بعد اكتشاف مخزون النفط والغاز فيها، أن تقيم في فترة قياسية في تاريخ الأمم مجتمع الرفاهية والتقدم عن طريق بناء دولة عصرية متميزة تقطن فيها جاليات من 200 جنسية مختلفة، تعيش في انسجام وتناغم، وتساهم في مسيرة نهضة، وبناء غير مسبوقة في المنطقة. ولقد تبوأت بذلك مركزاً ريادياً على الساحتين الإقليمية والعالمية، وأصبحت تعد اليوم من أهم مراكز الثقل المالي والاقتصادي في العالم، وتشغل حيزاً استراتيجياً يجعلها نقطة تواصل مفصلية بين القارات والمناطق الاقتصادية العالمية، ومعبر حوار وتفاهم وانصهار بين الثقافات والحضارات.

ولقد حرص مؤسس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، منذ أن بدأ المسيرة التاريخية مع أشقائه حكام الإمارات أن تتمحور استراتيجيات التنمية المستدامة لبلاده حول برامج بناء مجتمع المعرفة في الدولة الحديثة. ولهذا فقد كان الاهتمام بالتعليم والثقافة منذ سنوات الانطلاقة الأولى يعطي أعلى درجات الأولوية من قبل الحكومة يتزامن ذلك مع بناء الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التحتية اللازمة لبناء مجتمع الرفاهية والتقدم.

بالنسبة لأبوظبي كانت الاستراتيجية الثقافية دائماً واضحة المعالم. يشكل التراث والماضي البوتقة الحية لثقافة الأمم ويجب العمل على تعزيز الهوية الوطنية والتمسك بالقيم والعادات والجذور لمجتمع الإمارات المرتكزة إلى هويته العربية الخليجية الإسلامية الجامعة. وبالوقت نفسه، فإن التمسك بالماضي يجب ألا يؤدي إلى الانغلاق والعزلة والتكلس، بل يجب إثراء الثقافة الوطنية عن طريق الانفتاح على العالم الحديث وحضاراته، وبناء الجسور الثقافية مع جميع الأمم والشعوب التي تمد يد الصداقة والتعاون إلى الإمارات في سعيها الحثيث لبناء الدولة الحديثة، ولتأمين السلم والاستقرار في المنطقة، ولتمكين المواطن وتحصينه عن طريق العلم والمعرفة.

ولقد شهدت أبوظبي منذ البداية انطلاق عدد من المشاريع الثقافية الطموحة في شتى مجالات الثقافة والتراث، منها على سبيل المثال بناء أول متحف وطني أثري في مدينة العين في العام 1969 قبل توافر البنى الاقتصادية التحتية الأخرى، وذلك حرصاً من الشيخ زايد، رحمه الله، على تعريف المواطن والوافد بتاريخ بلاده العريق. كما وشهدت بناء المجمع الثقافي في منتصف السبعينيات الذي نجح في تنفيذ العديد من المشاريع الثقافية الرائدة في كافة المجالات لنشر التوعية الثقافية بين المواطنين، ولتشجيع عملية الإبداع في مجالات الآداب والفنون والموسيقى.

وإذا كانت العقود الأربعة الأولى هي سنوات التأسيس في عصر زايد الخير، فإن الفترة التالية في أبوظبي شهدت الانطلاق نحو آفاق التميز والإبداع على مستوى العالمية في كافة المجالات، وعلى الأخص في القطاع الثقافي الذي حرصت القيادة على إعطائه أعلى درجات الاهتمام والأولية. الثقافة عامل أساسي في عملية التنمية المستدامة، وهي الركن المكمل للعملية التعليمية في بناء مجتمع المعرفة القادر وحده على مواجهة تحديات القرن الجديد، وعلى تعزيز لغة الحوار والتفاهم والتسامح بين الحضارات والشعوب في عالم مشحون بالنزاعات والمشاكل. ولقد حرصت لذلك حكومة أبوظبي على إطلاق العديد من المشاريع العملاقة في فضاء الثقافة، من بينها على سبيل المثال لا الحصر مشاريع الترجمة والنشر والسينما، وتأسيس معاهد الشعر والموسيقى، وتخصيص الجوائز الأدبية والثقافية الضخمة لتشجيع عملية الإبداع والترجمة والتأليف، ونشر ثقافة الفنون البصرية والتشكيلية، مع الاهتمام بتعزيز ثقافة الآباء والأجداد، وتشجيع البرامج التراثية المختلفة. ولعل المنطقة الثقافية في جزيرة السعديات التي ستجمع لأول مرة في تاريخ المنطقة عددا كبيرا من المؤسسات الثقافية العالمية ذائعة الصيت منها: متحف الشيخ زايد الوطني، ومتاحف لوفر أبوظبي، وجوجنهايم أبوظبي، من تصاميم رواد الهندسة المعمارية في العالم، بالإضافة إلى جامعة نيويورك أبوظبي، وجامعة السوربون أبوظبي، تعطي فكرة موجزة عن طموحات وإنجازات أبوظبي في هذا المجال الحيوي.

كما كانت أبوظبي في عصر أم النار مركز تبادل وتجارة وتعامل مع مجتمعات ذلك العهد القديم من حضارات ديلمون وبابل، فإن أبوظبي اليوم تعتبر منطقة جذب ثقافية في عصر العولمة تستقطب العديد من المفكرين والفنانين والمبدعين المواطنين والعرب والأجانب، وهي رافعة لمشاريع النهضة والامتياز لشعوب المنطقة، وتؤشر لمستقبل مزدهر للثقافة العربية.

* المستشار الثقافي في وزارة شؤون الرئاسة

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف