• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

تقدم نموذجاً مثالياً في العيش المشترك

أبوظبي.. الانحياز للثقافة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 03 أبريل 2014

شـهـيـرة أحـمـد

المدن محجوبة بأسرارها، لا تنفتح إلا للعشاق الهائمين على أرواحهم في صبابات ليلها التاريخي العتيق. المدينة بنت امرأة عتيقة، تحمل على كتفيها آلاف السنين التي نسميها حضارة. هي كتابنا المفتوح على السلالة، نقرأ فيه ما يتجلى من أرواح من سبقونا، وما تركوا لنا من الحنين غافياً في تربة ذاكرة تنتظر من يوغل فيها ويقرأ روحها، يفك الرموز، يرتب البهاء، يرصف التواريخ، يوثق الأحداث، يروي الأخبار المكتومة، يدوزن الإيقاع ليرسم في النهاية حالة الناس في لحظة تاريخية وجغرافية بعينها. بكليّتها، باتساعها الروحي، بقلبها الوسيع، تطل أبوظبي عليك.. تدوزنك على إيقاع حلمها الناهض في مشهدها الثقافي الكلّي. ربما ترى فيها شيئاً من الغربة حين تطالعها في ثوبها الموغل في الحداثة.. لكن في التفاصيل، تشعر كم أنها حميمة، وشفافة.. تتسلل إليك بهدوء مبالغ فيه.. بحنوّ يأخذ بمجامع روحك.. ومرات تستطيع هذه المدينة أن تبكيك فرحا

مع نهوضك اليومي من الحلم تشاركك هناءك.. ومع فزعك من كابوس أرّقك في منامك تمدّ يدها لتمسح على قلبك.. ربما تهبك شيئاً من فرح عتيق شعرت به في طرقاتها، فتبدل حزنك سروراً وفزعك طمأنينة.

ها هي تنسرب بين الحروف مثل عروس تستعصي على الزينة.. توصّفها فتحار من أي غبطة ستدخل إليها.. تكتبها بمداد القلب لا الحبر.. تخلع عنها وجهها النهاري وتسحبها من قلبها إلى بيتك.. تسقيها فنجالاً من القهوة العربية الأصيلة حتى تأنس إليك.. عندها، تجلس إلى روحك، تكتب في حضرتها شيئاً من ذهب تاريخها القديم.. تفرح بما كتبت.. توقع بالحروف الأولى من اسمك.. تتذكر أنها هي، لا أنت، من فتح قمقم الكتابة وأطلق المارد..

ها هي تمتد أمام ناظريك.. يزينها الهوى من كل صنف ولون، تجمع بين جناحيها نماذج من البشر يختلفون في جنسياتهم وسحناتهم وهوياتهم ومشاربهم الحضارية والثقافية، لكنهم يتعايشون فيها بسلام واسع يستوعب اختلافاتهم ويحترمها.

أبوظبي.. تردد نغماً عالمياً من دون ادعاءات ولا تنظيرات فارغة.. ببساطة وعفوية وتلقائية تترجم درسها من دون أن تدير رأسها الأسماء الكبرى أو تلقي بالاً لما يترجمه المثقفون عن مشهدها؛ يسمونها كوزموبوليتية وتعددية و... و... فيما هي تمارس فطرتها التي فطرت عليها منذ البدء.. تفتح قلبها على ثقافات العالم وتحافظ على روحها البهيّة.. وتزداد اخضراراً مع طلعة كل شمس.

لا يكمن سرّ أبوظبي في تعدديتها وتنوعها الثقافي فقط، بل في رهانها على الإنسان أولاً وآخراً. به وبتنميته تزهو... وبتوفير سبل العيش الكريم له تختال... مدينة كريمة في إنسانيتها، اختارت الانفتاح على الآخر شعاراً لها. والأمثلة على ذلك حاضرة يوميا في شوارعها وفي مشروعها الثقافي على الأخص... في انحيازها للثقافة والوعي تكمن قوة هذه البلاد، لقد اختارتهما في عالم تضاءل منسوب إنسانيته حتى يكاد يجف.. حروب وقتل وضغينة وحقد وخلاف وسعار وراء المكاسب المادية وتراجع لكل ما هو روحي وإنساني.. خراب منتقى، مشغول على نار هادئة، يضرب في مفاصل الكوكب.. الكوكب الذي يعاني من احتباس حراري واحتباس إنساني.. العالم المأزوم بـانخفاض الأوزون وانخفاض مستوى الروح، في وسط هذا كله، تختار أبوظبي أن تنتصر للثقافة وأن تعليها في فضاءاتها وتغدق عليها المال والرعاية والاهتمام.. تختار ذاكرتها الحيّة وتسير إلى مستقبلها مخفورة بالآمال الكبيرة... وإن قصرت في شيء.. وإن غاب عن بالها شيء.. هل نتنكر لها أم نجد العذر.. ونقترب من قلبها، ونهمس لها بأن تعتني في المرة المقبلة. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف