• الأربعاء 27 شعبان 1438هـ - 24 مايو 2017م

الأول ما نطق به اللسان والثاني ما وقَرَ في القلب

الإسلام

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 مايو 2017

د. ألفة يوسف

يعمد الله تعالى في كتابه الحكيم إلى كلمتين من حقل دلاليّ واحد هما كلمة الإيمان وكلمة الإسلام وما اتّصل بهما. وقد اعتبر القدريّة والخوارج الإسلام والإيمان مثيلين دلاليّاً، حيث قالوا «إنّ الإسلام هو الإيمان فكلّ مؤمن مسلم وكلّ مسلم مؤمن، لقوله إن الدّين عند الله الإسلام، فدلّ على أنّ الإسلام هو الدّين، وأنّ من ليس بمسلم فليس بمؤمن» (1). على أنّنا خلافاً لهؤلاء، نعتبر أن مصطلحي الإسلام والإيمان متمايزان، ونستند في ذلك إلى صريح القرآن. فالله تعالى يقول: «قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ...» (الحجرات 49/‏ 14). إنّ هذه الآية تشير صراحة إلى إمكان أن يتّصف الإنسان بالإسلام ولا يتّصف بالإيمان، وهذا ما يجعل الصّفتين مختلفتين وإن اتّصلتا اتّصالاً وثيقاً كما سنرى.

يتجلّى اختلاف الإسلام عن الإيمان في موضع قرآنيّ آخر، إذ يقول الله تعالى: «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا» (الأحزاب 33 /‏35). وإنّ عطف المسلمين والمسلمات على المؤمنين والمؤمنات، يدلّ على اختلاف الإسلام عن الإيمان، إذ أصل الشّيء أن لا يُعطف على نفسه.

ويشير الدّارسون إلى أحد أحاديث الرّسول الّذي يضمر أنّ المسلم غير المؤمن. فقد «أعطى النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم رجالاً ولم يعط رجلاً منهم شيئاً، فقال سعد: يا رسول الله أعطيت فلاناً وفلاناً، ولم تعط فلاناً شيئاً، وهو مؤمن، فقال النبيّ صلّى الله عليه وَسلّم: أو مسلم؟ حتى أعادها سعد ثلاثاً، والنبيّ صلّى الله عليْه وسلّم يقول: أوْ مسلم، ثم قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلَّم إنّي أُعْطِي رِجالاً وأدع من هو أحبّ إليَّ منهم، لا أعطيه شيْئاً مخافة أن يكبّوا في النّار على وجوههم» (2).

وإنّنا إذ احتججنا للتّميّز الدّلاليّ بين الإسلام والإيمان، فسنحاول في هذا المقال أن نحدّد معنى المصطلحين وأن نبيّن الفروق بينهما من جهة والتّقاطعات من جهة أخرى، ذلك أنّنا نزعم أنّ الإسلام يرد بمعنى مختلف عن الإيمان حيناً، وبمعنى مرادف له حيناً آخر.

الإسلام ليس الإيمان

الإسلام ليس الإيمان، الإسلام انتماء إلى دين: يرى بعض الدّارسين أنّ الإسلام قول، والإيمان قول وعمل (3). فالمسلم قد يدخل إلى دين الإسلام خوف السّباء والقتل ولا يُتبع إسلامه بعمل يحدّده أغلب المفسّرين بالجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله تعالى (4). وبعبارة أخرى فإنّ هؤلاء يذهبون إلى أنّ الإسلام هو الإقرار بالشّهادتين دون ما يستتبعهما من عمل الصّالحات. أمّا الإيمان فهو مختلف عن التّصديق اللّساني لقول الله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ» (البقرة 2 /‏8). ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التّصديق اللسانيّ لما نفى الله عز وجلّ كونهم مؤمنين. (5) ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا