• الأربعاء 27 شعبان 1438هـ - 24 مايو 2017م

الموت هو الحاكم بأمره في شؤون الفن والحضارة

سياسة الخلود

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 18 مايو 2017

د. العادل خضر

«الثّقافة هي ما فعله الآخرون بي، أمّا الفنّ فما أفعله أنا بالآخرين»، يمكن أن نعتبر هذه الشّذرة الّتي تنسب إلى كارل أندري Carl André (وهو فنّان أميركي تشكيليّ من روّاد الفنّ الأدنوي art minimalisme)، بمثابة ردّ غير مباشر على أمر من الأوامر ينسب إلى رودولف هتلر يقول فيه: «اقتلوا الفنّانين أوّلاً...». فهذا القول أو ذاك يؤكّد طابع الفنّ الفرديّ الذّاتيّ المعزول، ولكنّه يؤكّد من ناحية قوّة تأثيره ونجاعته الرّمزيّة الّتي تدفع الطّغاة والجبابرة في كلّ الأزمنة إلى التّنكيل بأصحاب الفنّ وتدمير ما خلّفوه من آثار فنّيّة.

بيد أنّ هذه الحرب بين رجال السّياسة وأهل الفنّ لم يكن رهانها ثابتاً، فقد كان يتغيّر باستمرار، فعندما نتذكّر ما فعله اليسوعيّون les Jésuites حين أبدلوا، زمن غزو المكسيك، «الزّيمات» zèmes (أي وجوه بعض الآلهة وتصاويرها عند هنود أميركا) برموزهم المقدّسة، أو نستحضر ما فعله المسلمون أيّام الأمويّين بالرّموز المسيحيّة حين كسروا تماثيلهم وأصنامهم، ذات سنة لمّا «كتب يزيد بن عبد الملك في سنة أربع ومئة، يأمر بكسر الأصنام، فكسرت كلّها، ومحيت التّماثيل، وكسر فيها صنم حمّام زبّان بن عبد العزيز الّذي يقال له حمّام أبي مرّة». (محمّد بن يوسف الكندي، ولاة مصر، تحقيق حسين نصّار، دار صادر، بيروت، د.ت، ص93)، فإنّ الرّهان في هذين المثالين المتباعدين تاريخيّاً وجغرافيّاً كان يتعلّق وقتئذٍ بالاستحواذ على مجال المرئيّ، وهيمنة الدّولة عليه باسم الدّين، لغزو الأرواح والأجساد. وفي هذا الغزو يستوي أولئك الّذين يصنعون الصّور المرئيّة وأولئك الّذين يدمّرونها، فهم جميعاً «محاربون، سواء أكانوا من نفاة الصّورة أم من عَبَدَتِها، ويبدو أنّ هذه الحرب قد حُسمت لمّا انتقلت الصّورة إلى طور إنتاجها التّقني، ثمّ طورها الرّقميّ، وأصبح مستخدموها من أهل الفنّ (في السّينما أو الفوتوغرافيا أو الفنون التّشكيليّة أو المصممون...) هم المتحكّمون، في صناعتها وانتشارها وتوزيعها، وإذا كان الفنّانون بمختلف اختصاصاتهم وطوائفهم هم صنّاع الصّورة بجميع أصنافها فإنّنا نتساءل: ما الّذي اقترفوه من خطيئة وإثم لمّا أصبحت الصّورة لا تعترف بأيّ نوع من أنواع المحظور الجنسيّ، أو الممنوع السّياسيّ (الفضائح)، أو المحرّم الدّينيّ (التّجسيم والتّشخيص)، فأضحت تنتهك كلّ المقدّسات، وتعمل على إقحامها في مجال الاستعمال الدّنيويّ، وجعلها بضاعة جاهزة للاستهلاك البصريّ.

هذه الانتهاكات المتواصلة للمقدّسات الّتي تجري تارة بالصّورة، وطوراً آخر بجهل النّاس استعمالَ الرّموز الدّينيّة، تدلّ على أنّ حدود المقدّس اليوم قد طمست أو كادت، ففي روسيا الحالية، يذكر لنا الفيلسوف الألمانيّ، الرّوسيّ الأصل، بوريس غرويس Boris Groys أنّ طرائق استعمال الأيقونات قد نُسي تماماً. فكثير من النّاس لا يذكرون ما ينبغي القيام به في الكنيسة، ولا يعرفون كيف يرسمون علامة الصّليب بطريقة صحيحة، بل هم قد نَسُوا تماماً كيف يتعاملون ويعاملون الأرشيف الدّينيّ، حتّى أنّهم فَقَدُوا معنى الورع والزّهد، وقد حملهم هذا النّسيان على استعمال أيقونات الكنائس للتّدفئة دون أن يعلموا أنّ هذه الأشياء لا يُسمح باستعمالها، مثلما أنّه لا يسمح باستعمال لوحة الموناليزا لتفرش على الطّاولة ليُوضع عليها الطّعام، فماذا يعني النّسيان هاهنا؟ يقول غرويس: «يعني النّسيان بكلّ بساطة أنّه يُسمح لنا بأن نستعمل أشياء كان استخدامها محظوراً فيما مضى. لقد نسينا المحظورات، فالشّيء الوحيد الّذي أمكننا نِسيانه، ونَسيناه بالفعل، إنّما هو الحَظْرُ».

وعلى خلفيّة هذا النّسيان لحدود المقدّس، الدّينيّ خاصّة، تغيّر رهان الفنّ اليوم، فلم يعد مداره على «حرب الصّور» للهيمنة على قطاع المرئيّ، فهذه الحرب قد انتهت بانتصار الصّورة واكتساحها للكون بأسره، وإنّما أضحى مداره على «سياسة الخلود». وهي سياسة ذات تاريخ طويل قد اقترن بطرائق الحضارات المختلفة في سياسة خلودها أو فنائها، وصناعة ديمومتها أو زوالها.

ولعلّ مؤرّخ الفنّ الكبير، فرانز بوركنو Franz Borkenau (1900-1957)، يظلّ من القلائل الّذين فكّروا في تداول الحضارات ومنطق تعاقبها من منظور «سياسة الموت والخلود»، ففي كتابه المحوريّ: «النّهاية والبداية، في خصوص ظهور الحضارات المتقدّمة جدّاً وميلاد الغرب»، يقترح هذا المؤرّخ «قصّة كبرى» تتعلّق بمواقف الحضارات المتعارضة من مسألة الموت، وهو بهذه «القصّة الكبرى» ينقلب من مؤرّخ للفنّ إلى مؤرّخ كبير macro-historien، كِبَرَ المجال الّذي يتحرّك فيه، أي تاريخ الحضارات والثّقافات الكونيّ، فإذا كانت بعض الأصناف من الثّقافات ترفض الموت وتقاومه بإنشاء نظريّة في الخلود وأساطير في الأبديّة، فإنّ أصنافاً أخرى تقبل بحقيقة الموت، وتنشئ على أساس ذاك القبول والتّسليم ثقافة للحياة متغلغلةً في العالم. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا