• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

فنانو أوروبا تأثروا بفن التصوير

الجدران.. تنطق بروعة الرسوم والزخرفة الإسلامية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 29 يونيو 2016

مجدي عثمان (القاهرة)

في كتابه «فتوح مكة» ذكر الأزرق أن جدران الكعبة كانت مزينة برسوم منها ما يمثل النبي إبراهيم، ومريم البتول وابنها عيسى، كما علمنا عن الرسوم التي كانت تزين إيوان كسرى بالمدائن من قصيدة البحتري، فيما جاء وصف الأكاسرة عند موتهم من خلال مخطوطة مصورة، والواضح أن الرسوم الإسلامية المبكرة توضح اعتماد العرب على الحضارات السابقة، وعلى الفنانين من أهل البلاد المفتوحة، ولذلك نشاهد إنتاج العراق وإيران على صلة بالتصوير الساساني، والشام متأثراً بالتصوير الهيليني والبيزنطي، وفي مصر مرتبطاً بالتصوير القبطي والفرعوني، إلا أنه لم يبق هناك أدلة على التصوير في عهود الإسلام الأولى، بعد أن اختفت معظم آثار التصوير الجداري الإسلاميَّة خلال الغزوات التترية وخاصة تدميرهم بغداد.

أما الرسوم الشخصية، فيرجع أقدمها إلى القرن الـ14م، ومنها لوحة شاهدها أحد القريشيين - يدعى ابن وهب - لدى زيارته إمبراطور الصين، وفي كتابه «مروج الذهب» ذكر المسعودي مشاهدته لصورة ليزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكذلك قال المقريزي في «نفح الطيب» أن عبد الرحمن الناصر نقش صورة الزهراء حبيبته على باب المدينة التي شيدها وسماها باسمها، وأن الأشرف بن خليل بن قلاوون أمر برسم صور أمراء الدولة وخواصها.

وكان إعداد الفنان المسلم يتم بتعليمه كيفية تحضير الألوان، وتجهيز الورق والتمرن على نقل نماذج من رسوم المجيدين من سابقيه، وقد فضل المسلمون من الألوان، المعدنية، لطبيعتها المعتمة، وكان المصور يستحضر ألوانه بنفسه، متبعاً في أول الأمر الطريقة البيزنطية، والخطاط هو من كان يحدد المكان المراد تزيينه بالصور، ويُبين الموضوع المطلوب توضيحه، إلا أن هذه القاعدة خرج عليها كمال الدين بهزاد الذي لقب بمعجزة العصر الفنية في مدينة «هيرات»، بما أدخله على رسم المنمنمات من تطوير في التعبير النفسي والانطباعي وتقنياً في خلط الألوان.

وقد كان لرعاية الحكام للفنون الأثر الكبير في ازدهارها، فنرى هارون الرشيد قد أمر باستدعاء الفنانين لزخرفة قاعة في حديقة قصره ببغداد، وكان الخلفاء قد أنشؤوا مجالس حُلِيَتْ جدرانها بالزخرفة والرسوم، كما استأجر المعتصم فنانين ليصوروا على جدران قصرهِ في سامراء، مناظر صيد ورجال دين، وبنات يرقصن، ولم يقتصر رعاية الفن على الحكام وحدهم، بل راح يقلدهم في ذلك وزراؤهم وكتّابهم وكبار موظفيهم في الدولة، وكشفت الحفائر الأثريَّة في مواضع عواصم العباسيين عن عمائر قاموا بإنشائها وزخرفتها، منها بقايا قصور الخلفاء في سامرّاء ووجد عليها مناظر تصويريَّة، كان قد رسمها الفنان في العصر العباسي تبعاً لرغبة وذوق راعي الفن.

وقد أُنجزت في أواخر العصر العباسي أعداد كبيرة من المخطوطات ذات الرسوم التوضيحية في مجال الطب والفلك والنبات، إضافة إلى المخطوطات الأدبية، ولم تكن بغداد تنجز ذلك وحدها، فهناك مخطوطات من الموصل وواسط، وتميز القرن 7هـ - 13م، بأنه العصر الذهبي في الرسم الإسلامي، نظراً لما تم إنجازه من مخطوطات مرسومة مثل قصص كليلة ودمنة وكتب الطب والنبات والطبيعة، ورسائل إخوان الصفا، وكذلك المقامات كالحريري والمؤلفات الموسوعية كعجائب المخلوقات للقزويني.

واشتهر التصوير الإسلامي بعدد من الفنانين أمثال «بهزاد»، الذي كان أول من استخدم التوقيع على لوحاته، وقد كان ظهور فن الكتاب بداية ظهور فن التصوير، الذي تمثل في المنمنمات، والتي ترجع أصولها إلى فترة العباسيين والتيموريين والصفويين.

وقد حدد التاريخ فن التصوير الإسلامي في أربع مدارس رئيسية، هي العربية، والإيرانية، والهندية المغولية، والتركية العثمانية، والأولى من أهم مراكزها الفنية «بغداد والموصل ودمشق والقاهرة وقرطبة وغرناطة»، وقد أثرت تلك المدارس في فنون أوروبا، وكان «رامبرانت» أول من أعجب بهذا الفن، واقتنى بعض المنمنمات، ثم أخذ ينقلها بيده بين العامين 1654م و1656م، وتحتفظ المتاحف الآن بعشرين منها، هذا إلى أنه ضمّن بعض عناصرها لوحاته بعد أن مزجها بأسلوبه، كما كان للتصوير في الشرق الإسلامي تأثير بالغ في الحركة الفنية في إسبانيا، وقد أخذت مدرسة أشبيلية عن فن المنمنمات الكثير وشكلته بالأساليب المحلية.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا