• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

أغلبية البريطانيين اعتقدوا أنه من الضروري قلب أكثر من أربعة عقود من الاندماج السياسي مع أوروبا، وهم يخشون إملاءات قوة أجنبية تبدو خارج سيطرتهم

خروج بريطانيا: ليس ثورة فلاحين

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 27 يونيو 2016

إيثيان ثارور*

كريستوفر هوب، كبير المراسلين السياسيين لصحيفة «تليجراف» البريطانية، استعمل كلمات تاريخية كبيرة جداً لوصف قرار بلاده الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في استفتاء الخميس الماضي حيث كتب يقول: «إن استفتاء 2016 حول الاتحاد الأوروبي ربما يمثل أكبر انتفاضة على الأشخاص الذين يحكمون المملكة المتحدة منذ ثورة الفلاحين في 1381»، مضيفاً «إن مديري بريطانيا وسياسييها، وزعماء كنائسها، ونجومها الرياضيين، ومصرفييها، وخبرائها الاقتصاديين، ومشاهيرها.. طلبوا من الناس التصويت لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي»، ولكن الناس رفضوا ذلك، يقول هوب. وقد لا يكون هوب أول بريطاني يستخدم استعارة تاريخية في الحديث عن الخروج البريطاني، ولكن إشارته إلى أحداث 1381 دفع آخرين إلى الاحتذاء به. الاستفتاء يصوَّر على أنه رفض للمؤسسة السياسية لبريطانيا ونخبتها المالية وعلمائها ومراكزها البحثية ومؤسساتها الأكاديمية. وعلى الرغم من تحذيرات الخبراء ومناشدات السياسيين في القارة، فإن أغلبية البريطانيين اعتقدوا أنه من الضروري قلب أكثر من أربعة عقود من الاندماج السياسي مع أوروبا وإلقاء بلدهم في حالة كبيرة من عدم اليقين.

تعود القصة إلى انتفاضة طبقة الفلاحين ضد ضريبة ملكية جديدة تمثل ثلاثة أضعاف ما تمت جبايته خلال السنة السابقة عن مداخيلهم الهزيلة، فتسببوا في قلاقل واضطرابات، وكانت قد بدأت كحركة هامشية في جنوب شرق البلاد، ولكنها سرعان ما اكتسبت قوة وزخماً. وفي الأخير، حظيت مجموعة من المتمردين، يقودهم رجل من أصول متواضعة يدعى «وات تايلر»، بلقاء مع الملك المراهق «ريتشارد الثاني» خارج لندن، فطالبوا بإنهاء الضريبة وإدخال الإصلاحات، لكن اللقاء لم يكن ناجحاً، فدخل متمردون غاضبون العاصمة، وقاموا، بمساعدة من سكان البلدات، بفتح السجون وإضرام النار في قصر سافوي، وقتل من اعتُبروا عملاء للملك.

«جون فرواشار»، كاتب يتحدث الفرنسية، عزا سبب الثورة إلى الرخاء النسبي للفلاحين، وكان من نتائج ذلك أن أصبح لعمل الفلاحين، الذين أضحوا وقتها نادرين، قيمة أكبر.

ويقول فرواسار: «لم تكن ثمة بلاد أو مملكة في خطر كبير مثل إنجلترا وقتئذ. والوفرة والرخاء اللذان كانت تعيش فيهما العامة هما سبب اندلاع التمرد»، مضيفاً: «الأشرار في هذه المناطق بدؤوا ينتفضون ويقولون إنهم يعانون القمع والاضطهاد. وإن (لورداتهم) يعاملونهم معاملة الدواب. إنهم لن يحتملوا هذا بعد اليوم، وقد عزموا على أن يكونوا أحراراً، وإذا عملوا وقاموا بأي أعمال لحساب لورداتهم، فإنهم سيتقاضون أجراً عن ذلك». تفرق المتمردون الباقون أو تعرضوا للمطاردة أو أُعدموا.

ورغم أن الثورة فشلت، فإنها شكّلت حدثاً فاصلاً باعتبارها المرة الأولى لحرب طبقية واسعة في تاريخ إنجلترا. إننا بعيدون جداً عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هنا، وهو حدث سياسي أقل أهمية، بالطبع، مقارنة مع «وات تايلر» و«ريتشارد الثاني»، ولكن من المسيء التلميح إلى أن الموجودين في معسكر «الانسحاب» هم «الفلاحون»، وإنْ كان ذلك يخدم خطاب استعادة البريطانيين العاديين لبلادهم التي يروّج لها أنصار خروج بريطانيا. إن الصورة أكثر تعقيداً من ذلك، فالاستفتاء أدى إلى تنحي رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، والمرشح الأرجح لخلافته هو «بوريس جونسون»، وهو سياسي محافظ خاض حملة شرسة من أجل انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومثلما لفت إلى ذلك الكثيرون، فإن كلاً من كاميرون وجونسون درسا في نفس المدرسة النخبوية الراقية في صغرهما. وعليه، فإنهما بكل تأكيد ليسا بفلاحين!

*محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا