• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

النقمة على الاتحاد الأوروبي، المدفوعة بشعبوية فائقة، عرّفت أجندتها القصيرة بالخروج من الاتحاد، لكنها عاجزة عن توضيح خريطة طريق آمنة للمستقبل

بريطانيا: شعبوية صادمة... ثم العودة لأوروبا!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 27 يونيو 2016

د. خالد الحروب*

كنا نتبادل الضحك والنكات، ونحن نخط حرف «الإكس» إلى جوار خيار البقاء في الاتحاد الأوروبي، في المركز الانتخابي الصغير بمدينة كامبريدج. لم يدر بخلد أي منا أن تكون النتيجة صاعقة ومؤيدة للخروج في اليوم التالي. المزاج العام في مدينة كامبريدج، كما في أكثر المدن البريطانية التي تعودت على التعددية الثقافية، كان وما زال مع خيار البقاء مع أوروبا. صباح هذا اليوم غالبية الناس مصدومون: ما الذي حدث بالضبط؟ وماذا يعني خروجنا من الاتحاد الأوروبي؟ في المدرسة المجاورة، الكل لا يعرف الإجابة والكل تعتريه الدهشة: المدرسون والمدرسات وأولياء الأمور.

خيار الخروج والانكفاء على الذات هو التقاء نزعات اليمين، والتشدد ضد المهاجرين، وتصاعد نزعات القومية الشوفينية. لذا لم يكن غريباً أن يعبر دونالد ترمب عن غبطته وتأييده للنتيجة بعد صدورها بساعتين. الدهشة العارمة على وجوه كثيرين هنا يخالطها خوف شديد من المُستقبل. ليس سهلاً أن يتم تفكيك علاقة عضوية مع الاتحاد الأوروبي ظلت تتعمق طوال أكثر من أربعة عقود وأصبحت هي القالب المُشكل للاقتصاد والتجارة والسفر والسياسة وللمزاج العام البريطاني الأوروبي. صحيح أن الامتعاض البريطاني والتشكك إزاء أوروبا والوحدة معها ظلا على الدوام سمة لعلاقة الجزر البريطانية بالقارة العجوز، لكن ذلك الامتعاض والتشكك هم أقرب للشكوى داخل العائلة الواحدة منهما إلى الانفصال التام.

ما زال الوقت مبكراً لتقديم تحليل وافٍ حول خلفيات ومنعكسات التصويت ومآلات بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي، لكن هذا لا يمنع من التأمل في بعض الملاحظات الأولية العامة.

الملاحظة الأولى هي تفصيل للحظة الاندهاش والصدمة التي تكاد تلف الجميع هنا من النتيجة، سواء أكانوا ممن صوتوا للبقاء أم للانفصال. في الساعات الأولى بعد إعلان النتيجة وعلى شاشة البي بي سي عبّر بعض ممن صوتوا للانفصال عن ردود أفعال ومشاعر هي أقرب إلى عدم الرغبة في تبنى هذا النصر المُلتبس. كأنه جمرة ملتهبة لا يريدون القبض عليها. بقليل من المُجازفة يمكن القول بأن كثيرين ممن صوتوا لمصلحة الانفصال كانوا مدفوعين برغبة التعبير عن الغضب من أوضاع قائمة أكثر من الرغبة في الذهاب بعيداً إلى آخر الشوط والتخلي عن أوروبا. في السنوات الأخيرة تنامت النزعات ضد المهاجرين في كل أوروبا، وتنامت معها واستثمرتها خطابات التطرف والشعبوية والتخويف، وكلها تدعو للانكفاء على الذات وإغلاق الحدود. تماهت الحملة الداعية للانفصال عن الاتحاد الأوروبي مع كل غرائز الخوف والتخويف من المهاجرين والبطالة وسواهم، وأصبح الاتحاد الأوروبي هو كبش الفداء الكبير الذي لابد من التضحية به. عملياً، وكما سوف يتضح لكثير من البريطانيين، هناك مساحة عريضة من السياسة بين القضايا الضاغطة عليهم، وحتى على المشاعر القومية والشوفينية لدى بعضهم، وبين الانسلاخ من الاتحاد الأوروبي.

الملاحظة الثانية، أن كثيراً من أنصار ومؤيدي البقاء مع الاتحاد الأوروبي أبقاهم الكسل والطقس الماطر في بيوتهم ولم يمارسوا حقهم في التصويت. كثير من هؤلاء بل ربما الغالبية، كما هو الانطباع الذي ساد قبيل التصويت، لم يأخذوا الأمر بالجدية التي يستحقها، فبدا وكأنه مزحة سمجة، ولم يتصور أكثرهم أن الأمور سوف تتسارع إلى النتيجة التي وصلت إليها. مع مرور الأيام القادمة سوف ينتبه هؤلاء إلى أهمية صوتهم وخطورة الاستنكاف عن التصويت والانخراط بفعالية في التسييس العام.

الملاحظة الثالثة، تتمحور حول التوزيع العمري للمصوتين. كبار العمر وشريحة من هم فوق الـ65 صوتوا مع الانفصال. هؤلاء هم بقايا إرث الحرب العالمية الثانية والمشاعر الناقمة على أوروبا وخاصة ألمانيا. يرون في أوروبا العدو القديم وفي قلبها ألمانيا التي هددت بريطانيا وقصفت مدنها. ظل الشك في أوروبا قابعاً وراسخاً في أواسط كبار العمر. وعلى الضد من ذلك، فقد صوتت غالبية الشرائح الشبابية لمصلحة البقاء مع أوروبا، ونسبة من صوت منهم أقل من نسبة من صوتوا من كبار السن. الشباب أقل اهتماماً بالسياسة والمشاركة في الانتخابات والاستفتاءات، وهذا ترك مجالاً أوسع لنسبة الرافضين كي تتقدم على حساب الرأي العام. فور إعلان النتيجة برزت أصوات عديدة تقول إنه ليس من الإنصاف أن يقرر كبار السن مستقبل بريطانيا التي سيعيش فيها صغار السن فترات زمنية أطول، وليس من حقهم أن يقرروا مصير الأجيال الشابة وطبيعة علاقتهم بأوروبا. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا