• الخميس 09 ربيع الأول 1438هـ - 08 ديسمبر 2016م

تنظيمها يعتبر مكسباً في حد ذاته

الانتخابات الأفغانية.. والانتقال السلمي للسلطة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 01 أبريل 2014

لاشك أن المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة ستتأثر على نحو كبير بنتائج الانتخابات الرئاسية في أفغانستان، فمع اقتراب موعد اختيار خلف في المنصب للرئيس كرزاي، إضافة إلى انتخابات أخرى على صعيد المجالس المحلية، يبدو أن الوقت قد حان لصياغة تطلعات واقعية والتأكد من أن تنسجم تحركاتنا مع الأهداف المسطرة، ولذا فإن دبلوماسية صبورة وقائمة على معطيات حقيقية تعتبر الآن هي المفتاح الأهم الذي من خلاله تضمن الولايات المتحدة الحفاظ على المكاسب المهمة التي تحققت في أفغانستان على مدى العقد الماضي، والتحقق من أن تلك المكاسب التي جاءت بتكلفة عالية لن تذهب سدى بسبب التسرع والعجلة. وفي هذا السياق علينا أن نعرف أنه مهما كانت الجهود التي سيبذلها المجتمع الدولي وتطور عمل الهيئات الانتخابية في أفغانستان، فإن الانتخابات الرئاسية المقررة في 5 أبريل المقبل ستشوبها عمليات فساد لا محالة، وستطغى عليها التجاوزات والعنف، ولاسيما بعد أن استُهدف مسؤولو الانتخابات وفرق المراقبة. ولكن على رغم ذلك تبقى المفارقة أن هذه الإشكالات إنما تؤكد نجاح المسلسل الانتخابي في أفغانستان الذي بات يحظى باهتمام من قبل الأفغان، وإلا لما كان هذا الحرص على تحقيق نتائج جيدة حتى باستخدام وسائل غير مشروعة أحياناً، فالكل يستثمرون كل جهدهم في العملية الانتخابية والموارد التي تتطلبها لكسب النتائج.

وفي هذه المرحلة على الولايات المتحدة أن تدرك مركزية الانتخابات الرئاسية المقبلة في الحفاظ على استقرار أفغانستان على المدى البعيد، وهذا الأمر رهين بانتقال سلمي للسلطة إلى رئيس جديد يتمتع بسلطة تحظى بقبول واسع من قبل الأفغان. ومع أن الديمقراطية مهمة ولا يجوز التهاون بشأنها لما لها من دور في تدعيم الاستقرار. غير أن الأولوية ليست بالضرورة لتنظيم انتخابات مثالية لا تشوبها شائبة، إذ لا مشكلة لدى الأفغان في التسامح مع بعض التجاوزات الإجرائية والتزوير المحدود، كما أن اندلاع العنف على نطاق واسع وانهيار التوازن السياسي الهش لن يكون إلا إذا عمت التجاوزات وتفشت على نحو أوصل إلى الرئاسة مرشحاً لا يحظى بدعم وطني واسع، فما يسعى إليه الأفغان على المدى البعيد من خلال الانتخابات الرئاسية وتلك المحلية هو إعادة التفاوض والتفاهم على أسس السلطة السياسية وتحديد شكلها في المستقبل، وهذا المسعى هو التحدي الأول الذي يتعين على المجتمع الدولي التركيز عليه. هذا ومن المرجح أن تستغرق عملية نقل السلطة بعد الانتخابات الرئاسية شهوراً عدة، كما أن جولة ثانية ستكون واردة، وسيحتاج الأمر وقتاً لتسوية حساب الأصوات المتنازع عليها، فيما سيكون على كرزاي مغادرة السلطة على نحو مشرف، ولكن دون رجعة. وفي هذه الأثناء سيكون على السلطة الجديدة تعيين وزراء وحكام جدد، مع اجتهاد الأعيان في مناطقهم لتعبئة الناس وجمع الأصوات لارتباط ذلك بقوتهم ومدى حضورهم في محافظاتهم، بل حتى المجموعات الديمقراطية الشابة تم استيعابها من قبل النخب السياسية وأُدمجت في سياق المناورات التي تعرض الأصوات لمن يدفع أكثر.

ولكن على رغم ما قد تنطوي عليه الانتخابات من خروقات يتعين على الفاعلين الدوليين والولايات المتحدة توخي الحرص في صياغة ردودهم بعد التصويت، فعلى سبيل المثال لن تكون نسبة المشاركة دالة على تأثيرات بعيدة المدى لهذه الانتخابات، كما أنه في نظام يقيم وزناً للشرف تمثل تهم التزوير هجوماً على السمعة بقدر ما هي اتهام بالمساس بقواعد لعبة السياسة، وهو ما قد يقود إلى دائرة مفرغة من الاتهامات المضادة، ولن يكون للتقارير الانتخابية أي دور في تحديد نتائج الانتخابات ما لم يلجأ المعنيون إلى استخدامها لقلب النتائج وتعطيل الانتخابات. ولذا يتعين على الرد الأميركي على التجاوزات المرتقبة أن يكون بالتركيز أكثر على الهدوء وليس الدخول في عملية تقييم الانتخابات، بحيث يتعين إفساح المجال للأفغان أنفسهم لإصدار الردود والتفاعل مع نتائج الانتخابات. ولكن ذلك لا يعني عدم تدخل أميركا دبلوماسياً للحفاظ على الهدوء وضمان انتقال سلس وسلمي للسلطة، فالناخبون الأفغان وقادتهم ما زالوا يحرصون على أن يبدو نظامهم السياسي ديمقراطياً في أنظار العالم، ويريدون أن يكون رئيسهم مقبولاً من المجتمع الدولي، وسيسعى العديد من الأفغان لمعرفة من تميل إليه الولايات المتحدة. وعلى رغم حرص إدارة أوباما على التزام الحياد، إلا أنه لا أحد من الناخبين سيصدق ذلك، ولذا سيكون من المفيد لو أبدت واشنطن معارضتها لمرشح ما لأن الأفغان لن يغامروا بفقدان المساعدات الأميركية، وسيكون من الحكمة أن تُعد الولايات المتحدة نفسها لدور الحكم المحايد والوسيط المحتمل في المفاوضات حول مدى تزوير الانتخابات عقب إعلان النتائج.

وبالطبع ستكون عملية التحكيم أصعب في ظل الهجوم الأخير الذي استهدف فرق المراقبين بفندق «سيرينا» بكابول لما لهم من دور في تطمين الأفغان والمجتمع الدولي بأن الانتخابات هي التي أفرزت رئيسهم المقبل. وفي هذا السياق يجب ألا نتسرع ظهور الديمقراطية في أفغانستان لأنها ستستغرق أجيالاً قبل أن تتجذر في البلد، ولكن مجرد تنظيم انتخابات في أفغانستان يدل على أن الممارسة الديمقراطية باتت جزءاً من النظام السياسي الأفغاني، وفيما سيكون على الولايات المتحدة الاستمرار في دعم انتخابات حرة ونزيهة وخالية ما أمكن من التجاوزات، إلا أن بلوغ هذا الهدف المثالي ينبغي ألا يحجب عنها الهدف الأكبر المتمثل في ضمان انتقال سلمي للسلطة بدونه لن يكون هناك مستقبل أصلاً للديمقراطية في أفغانستان.

‎نوا كوبورن

أستاذ بجامعة بنينجتون الأميركية

‎رونالد نيومان

سفير أميركي سابق لدى أفغانستان

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا