• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

ما بعد الاستقلال

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 26 يونيو 2016

على خلاف معظم مناطق العالم يلاحظ أن منطقة الشرق الأوسط استقلت دولها وظلت الكثير من التشكيلات الاجتماعية والروابط السياسية والخلافات العرقية والعقائدية قائمة كما هي قبل الاستقلال، أي بمعنى آخر أن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والممارسات الثقافية والانقسامات الدينية كانت هي المكون للدولة الوطنية مع ملاحظة أن الدولة القومية هي اختراع أوروبي بامتياز، يتطلب الانتقال من الانقسامات العرقية والأثنية والدينية إلى توجه وطني أساسه الدولة الوطنية التي تُذوّب هذه الاختلافات وتضعف الروابط القديمة عبر تطور سمته الأساسية العلاقات الاقتصادية والتجارية عبر نهضة زراعية وتوجه صناعي، ولكن فشل المشروع الوطني لبناء الدولة والمعوقات الداخلية والخارجية جعل أساس البناء الاقتصادي والاجتماعي كما هو قبل قيام الدولة الوطنية، وتوطنت داخل المنظومة الاقتصادية والبنية الاجتماعية المفاهيم المعرقلة لبناء الدولة الوطنية، مع وجود فوارق في التطور بين دولة وأخرى.

وفي أتون الصراع الاجتماعي والاقتصادي كان طبيعياً أن يتم استخدام الطائفة والدين للسيطرة على المجتمعات، لذا نجد أن منطقة الشرق الأوسط ما بعد الاستقلال تعيد إنتاج نفسها وأزماتها، خاصة أنها منطقة غنية بمواردها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي كممر للتجارة العالمية، وخطورة الوضع تكمن أن القضايا الكبرى مثل الوحدة الوطنية وقضايا النمو السكاني ومشكلة المياه والبيئة والتدهور الزراعي ظلت من دون حلول بل نجدها تفاقمت منذرة بكوارث قومية، وحروب نشهدها الآن كل هذه العوامل تشي أن الطائفة والدين على الرغم من استخدامهما لأغراض سياسية ودنيوية سيظلان عامل توتر واستغلال، وإن كان الصراع يدور حول ظروف اجتماعية مادية مجالها الأساسي انخفاض مستوى معيشة السكان والبطالة والتضخم والفساد، إلا أن البنية الاجتماعية والاقتصادية تجعل منهما عامل هدم ينسحب على الدولة في مجملها، خاصة مع حالة التفجر البادي الآن في المنطقة.

وبفضل كل هذه العوامل ظهرت قوى إقليمية لها مطامع وأهداف تاريخية في منطقة الشرق الأوسط في مقدمة هذه الدول تركيا وإيران، بعد انكشاف المنطقة وظهور الأزمات التي كانت مختبئة تحت كثير من اللافتات والمتغيرات السياسية والاقتصادية، واختلال توازن القوى بعد انتهاء الحرب الباردة، وما الحروب المستعرة في سوريا والعراق وليبيا واليمن إلا محصلة لتراكم طويل كان يتخلل البناء السياسي لدولة ما بعد الاستقلال، التي حكمتها نخب سياسية عملت فقط من أجل تكريس سلطتها ونفوذها عبر الاستبداد وتبديد الموارد الطبيعية والبشرية والعمل على استغلال المكون الاجتماعي للبقاء في السلطة عبر شبكة اجتماعية محكومة بعلاقة الراعي والرعية.

وفي خضم هذه التشوهات في بنية الدولة نجد الإمارات العربية المتحدة تمثل أنموذجاً عصرياً حديثاً في بناء الدولة الوطنية الاتحادية، التي استطاعت أن تتوجه نحو آفاق الحداثة وبناء الدولة العصرية، من خلال التنمية وتحقيق تطلعات الشعب.

إياد الفاتح - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا