• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

شهدت تونس هجمات ضد شخصيات عامة، لكن الهجمات على السياح من دون تمييز أو مباني الحكومة شيء لم يخطر في بال أحد

التجربة التونسية.. في مواجهة الإرهاب

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 21 مارس 2015

أثناء زياراتي لتونس بين عامي 2012 و2014، وجدت البوابة الأمامية للبرلمان مغلقة، فاكتشفت أنا وزميلي في البحث أنه بمقدورنا السير إلى البوابة الخلفية التي كانت دوماً مفتوحة حتى يستطيع الجمهور الدخول إلى المتحف الوطني. ولسوء الحظ اكتشف هذا أيضاً الإرهابيون الذين قتلوا 17 سائحاً يوم الأربعاء الماضي في تونس،ً في هجوم على مجمع «باردو»، الذي يضم المتحف الوطني والبرلمان. والهجوم أكثر من مجرد ضربة للسياحة التونسية أو للحكومة المنتخبة حديثاً. إذ أنه يقتل براءة هذا البلد الذي خرج من «الربيع العربي» كديمقراطية دستورية. ويتعين على تونس الآن الاعتراف بأن لديها حركة إرهاب نمت من داخلها تريد تقويض المؤسسات المزدهرة الجديدة التي تفخر بها عن جدارة. فقد زرت تونس مرات عدة، أثناء العملية الدستورية، لكي أحيط علماً بصناعة العملية الديمقراطية في البلد الناطق بالعربية، ولأقدم النصح كاستاذ جامعي للسياسيين الجدد، الذين أصبحوا من صُناع الدستور. وفي كل مرة دُهشَ من مقدار الانفتاح في المجتمع التونسي بعد الثورة. وكانت الثقة المتبادلة مهمة للغاية في العملية الدستورية. فقد ابتعد التونسيون في غالب الأحوال عن تقاذف الاتهامات وتمسكوا بحسن الظن ببعضهم بعضاً. وكان لهذه الثقة دور حاسم في إمكان التفاوض. وفي المطار كنت أشعر كما لو أني عدت إلى مطارات الولايات المتحدة أيام البراءة قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر. والأحزاب السياسية الكبيرة توجد مقراتها الرئيسة في شوارع هادئة في أحياء سكنية. وبوسع المرء مقابلة أبرز الشخصيات السياسية في البلاد من دون حتى المرور عبر جهاز اكتشاف المعادن. وهذا الاتجاه الأمني المتساهل أبرز وضوحاً في المدخل الخلفي لمجمع «باردو»، فقد كان هناك حارس أو اثنان في المدخل، ويتم السماح لنا بالدخول من دون فحص أوراقنا أو صندوق سيارتنا. ويبعد مدخل المتحف نحو 50 قدماً عن المدخل الخلفي للبرلمان الذي لا توجد عليه حراسة بصفة عامة. والمدخل الأمامي يؤمنه حارسان وجهاز لكشف المعادن، ولا يبعد إلا دقيقتي سير على الأقدام، ولا يحتاج إرهابي إلى استخدامه. واعتقد أن قلة الإجراءات الأمنية ليس مجرد تعبير عن الانفتاح السياسي، بل جزء من تأثير البراءة الحقيقية. وعلى مدار السنوات القليلة الماضية، شهدت تونس هجمات ضد شخصيات عامة، مثل الهجوم على السياسي اليساري «شكري بلعيد» ومقتله. لكن الهجمات على السياح بغير تمييز أو مباني الحكومة شيء لم يخطر ببال أحد. واعتقد أن التونسيين يجدون صعوبة فعلاً في تخيل أن تبتلى بلادهم بالإرهاب بعد ثورتهم السلمية في معظمها. ولم تمر بعض صور التشدد الإسلامي في تونس من دون رصد، بل تحدث تقارير على نطاق واسع عن سفر نحو ثلاثة آلاف تونسي إلى سوريا للانضمام إلى «داعش». وكان الائتلاف الحكومي الانتقالي بزعامة حزب «النهضة» الإسلامي قد أعلن أنه ضد الإرهاب «الجهادي» في نهايات فترة بقائه في الحكم. ولم أذهب إلى مجمع «باردو» منذ الموافقة على الدستور قبل أكثر من عام، وربما جرى تحسين الإجراءات الأمنية في هذه الفترة. وعلى كل حال، استهدف الإرهابيون فيما يبدو السياح في المتحف، ولم يدخلوا مبنى البرلمان على الرغم من أنهم ربما كانوا يأملون ذلك. ويتعين على الحكومة التونسية أن تستيقظ الآن، وتدرك أن أعداء الديمقراطية الدستورية ينظرون إلى نجاح التجربة التونسية باعتبارها تهديداً لرؤيته للشريعة والحكم الإسلاميين.

والهجوم يلقن تونس درساً أهم من مجرد فقدان البراءة. فالمقاتلون الذين يتشبهون بـ»القاعدة» يجادلون بأنهم يشنون جهاداً دفاعياً ضد القوات المحتلة غير المسلمة، لكن تونس بلد مستقل وإصلاحاتها من صنع ثورة محلية. والأحزاب الإسلامية، ومن بينها السلفيون، نافسوا في انتخابات حرة. وفاز «الديمقراطيون» الإسلاميون بأكثرية في الجولة الأولى، وتركوا السلطة طوعاً عندما خسروا الانتخابات بعد إقرار الدستور.

نوح فيلدمان*

*أستاذ القانون الدستوري والدولي في جامعة هارفارد.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا