• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

هل ينجحون في توحيد البلاد وتحقيق انتظارات الناخبين؟

قادة أوكرانيا الجدد: تحديات استثنائية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 30 مارس 2014

لا شك أن قادة أوكرانيا الجدد أدركوا منذ البداية أنهم إزاء مهمات صعبة عندما حملتهم رياح الثورة إلى السلطة قبل أربعة أسابيع. فعندما اعتلوا المنصة أول مرة بدوا عازمين على تغيير المسار الذي سلكه التاريخ الأوكراني إلى غاية هذه اللحظة، من خلال إرساء قواعد ديمقراطية قوية في بلد لم يعرفها قط، والقضاء على الفساد المتفشي في مفاصل الدولة، وتهيئة الظروف لبروز اقتصاد قوي وحديث وإخراجه من النمط السوفييتي القديم الذي ما زال غارقاً فيه حتى اليوم. لكن فجأة ساءت الأمور في أوكرانيا وزادت تعقيداً، فخلال يومهم الأول في السلطة واجه القادة الجدد مشكلة اقتحام جماعات مسلحة لمقر البرلمان المحلي في شبه جزيرة القرم الأوكرانية، وفي الأسبوع الماضي قررت موسكو انتزاع المنطقة نهائياً وأعلنتها جزءاً لا يتجزأ من روسيا الاتحادية، الأمر الذي دفع العديد من الأوكرانيين للتعبير عن خشيتهم من مصير مماثل ينتظر المناطق الشرقية للبلاد. هذا فيما وقفت الولايات المتحدة وأوروبا متفرجين على الأحداث المتلاحقة، محاولين فرض عقوبات لكبح جماح الرئيس بوتين، فظهرت بوادر الحرب الباردة، لتعلق أوكرانيا في الوسط. ومع أن الناس في كييف وغيرها من المدن الأوكرانية تنفسوا الصعداء عندما أيقنوا بأن سيناريو الحرب غير مطروح، فالسؤال الذي يلح عليهم هو: ماذا بعد؟ فحسب إيجور بوراكوفسكي، مدير أحد المراكز البحثية في أوكرانيا، «نحن مستعدون لإدارة بلد عادي بطريقة طبيعية، غير أننا وجدنا أنفسنا أمام ظروف غير عادية».

وقد شكلت الحكومة الحالية، التي تدير شؤون البلاد، على عجل بعدما هرب الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش، تاركاً الحكم في 22 فبراير الماضي، رغم أن الاتفاق الذي أبرمته معه المعارضة يقضي بألا يغادر السلطة إلا في شهر ديسمبر المقبل، لكن ما أن ذهب حتى كان على المعارضة تدبير حكومة مؤقتة وتحديد موعد لانتخابات رئاسية في 25 مايو المقبل الذي لم يفصلنا عنه سوى شهرين. وما زال من غير الواضح حتى الآن من سيترشح للرئاسة، وما إذا كان القادة الجدد سينجحون في توحيد البلاد وبعث الثقة في نفوس الناخبين الذين ينتظرون الكثير، لكنهم فقدوا الأمل في السياسيين.

ومن التحديات الكبرى التي تواجه أوكرانيا الحفاظ على وحدتها وتحصينها من الانقسام، لاسيما في ظل المظاهرات التي تشهدها مدن المناطق الشرقية مثل «خاركيف» الناطقة بالروسية والتي تطالب بحكم ذاتي أكبر، فيما يطالب أهالي مدينة «دونيتسك» الشرقية بعودة يانوكوفيتش وإنقاذهم من كييف التي يعتبرونها منفصلة عن مشاكل الشرقيين واحتياجاتهم. هذا علاوة على الشعور السائد لدى العديد من النخب في كييف بأن روسيا لم تنته منهم بعد، وبأنها ستبذل قصارى جهدها لإفساد الانتخابات وإفشال الحكومة، وهو ما يعبر عنه أوليه شامشور، الدبلوماسي الأوكراني السابق، قائلا: «تبقى الانتخابات النزيهة أمراً مهماً بالنسبة لأوكرانيا، لكن بوتين لا يريد رؤية رئيس منتخب على حدود روسيا»، فالهدف لدى روسيا هو إبقاء أوكرانيا خاضعة. هذه الرغبة يشير إليها يوري شيرباك، سفير أوكراني سابق لدى واشنطن، بقوله «إن بوتين يكره أوكرانيا، وعلينا أن نفهم بأننا في حالة حرب، فروسيا أعلنت الحرب صراحة ضدنا».

ومن المصاعب الأخرى التدهور الاقتصادي، فعندما تولت النخبة السياسية الجديدة السلطة وجدت أمامها خزينة شبه فارغة، وديوناً بمليارات الدولارات، وجيشاً ضعيفاً تُرك نهباً للصدأ، وغياب خطط دفاعية بعيدة المدى.. وهي المأساة التي وجدت الحكومة نفسها مطالبة بالتخفيف منها. وعن هذا الواقع الصعب يقول إيهور سميشكو، الرئيس السابق للجهاز الأمني الأوكراني: «لا أعتقد أن المعارضة كانت مستعدة للحكم»، مضيفاً أنه لو صدرت الأوامر فوراً لقوات المظليين والقوات الخاصة الأوكرانية باستعادة البرلمان في القرم لظلت ضمن أوكرانيا، ولتم نقل القادة الموالين لروسيا إلى كييف، لذا أشعر اليوم بإهانة كبرى». والحقيقة أن الجيش والأجهزة الأمنية الأوكرانية أُضعفت على مدى سنوات من الإهمال والتعيينات السياسية.

لكن الأزمة التي اندلعت في البلد حرضت العالم كله على استثمار جزء كبير من وقته وماله للعثور على حل، فخلال الأسبوع الماضي وبعد أربعة أشهر فقط على رفض يانوكوفيتش لاتفاقية الشراكة مع أوروبا والتي تسببت في موجة الاحتجاجات التي أطاحت به، عادت الحكومة الجديدة في كييف للتوقيع عليها، وقد تعهد بموجبها الاتحاد الأوروبي بتخصيص 15 مليار دولار لأوكرانيا سيصل ملياران منها في غضون شهر تقريباً، فيما يعكف وفد من صندوق النقد الدولي على التفاوض مع المسؤولين الأوكرانيين لتحديد ملامح حزمة المساعدات المرتقبة، وفي الوقت نفسه انخرط أوباما في الضغط على الكونجرس لتسهيل تقديم قروض لأوكرانيا. وعن المساعي الأوروبية يقول آلان ريمي، السفير الفرنسي لدى أوكرانيا: «نحن نحاول تقريب البلد إلى أوروبا، لكن الجهد يجب أن يكون مشتركاً»، مؤكداً أن الاتحاد الأوروبي ينتظر من الحكومة الجديدة في كييف نزع سلاح المجموعات المسلحة التي تجوب المدن الأوكرانية ومنها كييف. وأضاف السفير الفرنسي أنه يتعين تمتع المناطق الشرقية بحكم ذاتي أوسع يتم من خلاله انتخاب المسؤولين المحليين بدل تعيينهم، وشدد على أن محاربة الفساد «يجب أن تكون من أجندة الحكومة». هذا بالإضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية الأخرى التي تنتظر المسؤولين الأوكرانيين وأهمهما تقليص النفقات وإيجاد تمويل لإعادة بناء جيش قوي يستطيع الدفاع عن البلد والتصدي لروسيا.

كاثي لالي

كييف

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا