• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

التصعيد يخدم أجندة بوتين

أزمة القرم وخطورة استعداء روسيا

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 29 مارس 2014

لا يقوم الغرب سوى بخدمة فلاديمير بوتين عندما يتعامل مع ضمه لشبه جزيرة القرم على أنه رجوع إلى عالم تستأنف فيه الولايات المتحدة وروسيا عداوتهما القديمة وتصبحان خصمين لدودين، ولكن مع ذلك فهذا بالضبط هو ما اتضح في قمة بروكسل الأخيرة، عندما أعلن مسؤولون حاليون وسابقون في حلف شمال الأطلسي أن 2014 ستعتبر سنة للقطيعة مع مرحلة ما بعد الحرب الباردة. وزاد في تأكيد هذا الموقف رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، روبرت منديز، الذي قال عن بوتين إنه قد «أعاد إطلاق لعبة خطيرة مع المجتمع الدولي ترجع إلى العهد السوفييتي ما قبل 1991»، فيما ذهب مايكل ماكفول، وهو سفير أميركي سابق في روسيا إلى أن ضم القرم قد «مثل نهاية فترة ما بعد الحرب الباردة في أوروبا». ويبدو أن عدداً ممن حضروا إلى بروكسل تنفسوا الصعداء بعودتهم إلى حقائق الحرب الباردة باعتبارها مسلمات ثابتة عندما وقفت أميركا وأوروبا جنباً إلى جنب ضد التهديدات السوفييتية، وهي الحقائق التي ترتبت عنها توصيات معروفة، مثل ضرورة الزيادة في النفقات الدفاعية وتعزيز التحالف بين ضفتي الأطلسي ليقود ذلك إلى تقليص مجموعة الثماني إلى سبعة أعضاء فقط بعد طرد روسيا التي تقمصت دور «الشرير»! ولتوضيح هذا الموقف الغربي المستجد من روسيا، والذي لا يخدم سوى بوتين وأتباعه في الكرملين، يقول الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، أندريس فوج راسموسين، إن قضية القرم تؤكد بجلاء أن اجتياح موسكو لجورجيا في 2008 لم يكن سوى الحلقة الأولى ضمن استراتيجية أشمل.

ولكن استراتيجية لتحقيق ماذا بالضبط؟ لا أحد يستطيع الإجابة، ومع ذلك يرى «لادري ليك»، الباحث البارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن ما يريده بوتين على وجه الدقة هو تأسيس «نظام عالمي جديد» لا يقبل بمبدأ «اختيار الدول الحرة لتحالفاتها»، مضفياً بذلك الشرعية على «فكرة مناطق النفوذ الجيوسياسية التي اعتقدت أوروبا أنها باتت جزءاً من التاريخ». ولكن الحقيقة أن ما يقوله هؤلاء المسؤولون يلهينا فقط عن الواقع ويصرف انتباهنا بعيداً عن التحليل الرصين. فالمعطى الذي يسعى الغرب لإخفائه من وراء خطابه الاستعدائي لروسيا هو أن «الناتو» لا ينوي أبداً ضم جورجيا أو أوكرانيا إلى صفوفه وذلك بالضبط لأن الغرب لا يريد الذهاب للحرب من أجلهما، فالبلدان معاً وإن كانت لديهما علاقات قوية مع أوروبا، إلا أنهما أيضاً تربطهما صلات تاريخية وجغرافية وثقافية متينة بروسيا.

وفيما تدعي الولايات المتحدة وأوروبا الغربية رفضهما من الناحية النظرية لفكرة مناطق النفوذ، إلا أن واشنطن لا تنظر إلى تدخل أجنبي في أميركا اللاتينية بالطريقة نفسها إذا تم في مكان آخر، كما أن الاتحاد الأوروبي لا يخفي «سياسة الجوار» التي لا تعني سوى الحفاظ على مناطق النفوذ الجيوسياسي. ولذا يظل الأجدى من كل ذلك هو أن تخفف الولايات المتحدة من نفاقها قليلاً. صحيح أن بوتين بضمه القرم انتهك القانون الدولي، ولكن هذا بالضبط هو ما فعلته أيضاً أميركا عندما غزت العراق، وعندما تدخل «الناتو» لحماية كوسوفو، وإن كنت أعتقد أن الأخير كان مشروعاً تماماً. أما الإصرار على أننا إزاء حقبة جديدة لأن موسكو خرقت القانون الدولي فإن ذلك قد يقود العالم بالفعل إلى حقبة جديدة ما زالت إلى حد الآن متوهمة.

وأكثر من ذلك أن سلوك هذا الدرب سيقوي بوتين ويضرب الحركة الديمقراطية في روسيا، فمجرد القبض على أعضاء من فرقة موسيقية شهيرة في موسكو، أو عدم وصول معارض معروف في موسكو إلى عمودية المدينة، لا يعني أن المظاهرات ضد بوتين قد خمدت، بل قد ترجع وتنتعش في أية مناسبة سانحة. ولكن تصوير روسيا على أنها العدو رقم واحد يغذي رواية المتشددين في النظام الروسي، بنفس الطريقة التي يخدم بها هذا الأسلوب الملالي في إيران. أما الاستراتيجية البديلة فهي التخفيف من غلواء هذا الخطاب ضد روسيا وترك أوروبا تتزعم العلاقة، مع التشديد على أن غزو شرق أوكرانيا سيقابل بعقوبات اقتصادية مؤلمة. والحقيقة أن عدم إقدام روسيا على اجتياح المناطق الشرقية لأوكرانيا يظل هو أبرز ما ميز الشهر الماضي، ذلك أن الاتحاد السوفييتي ما كان لينتظر سقوط حكومة موالية لتحريك قواته نحو العاصمة، ويبدو أن بوتين وعلى رغم إغراء التدخل في عمق أوكرانيا بعد انطلاق المظاهرات في كييف، تورع عن ذلك حفاظاً على الأجواء الإيجابية التي تخللت الألعاب الأولمبية في سوتشي، حيث لم يحصل شيء من هذا السيناريو القاتم، بل مضت أوكرانيا قدماً في التوقيع على اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي. وبالموازاة مع ذلك يتعين على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الضغط على أوكرانيا، تعزيزاً للحكومة ولجعلها محاسبة أمام الشعب، كما يجب ألا تُفهم هذه الخطوات على أنها إقصاء لروسيا، أو سباق بين الدول التي تصطف معنا وتلك التي تنحاز لروسيا، لأن الدول القريبة من روسيا سواء كانت أوكرانيا، أو مولدوفا، أو جورجيا، أو غيرها لن تزدهر على المدى البعيد إلا بعلاقات ثنائية مع روسيا والاتحاد الأوروبي، تماماً مثلما أن ازدهار دول جنوب شرق آسيا يكون بعلاقات متميزة مع الصين وأميركا معاً.

ومع أن بعض المحبطين من تعقيدات عالم ما بعد الحرب الباردة يركنون للتقسيمات السهلة والمريحة بين الشرق والغرب، إلا أنها لا تفيد سوى تعقيد المصالح العسكرية والدفاعية، هذا بالإضافة إلى أن رؤية قائمة على استعداء روسيا لا تعكس حقائق العالم، بل تؤدي فقط إلى تحقيق نبوءة روسيا السلطوية ودفعها لتصبح عدوة الغرب الأولى.

‎آن- ماري سلوتر

رئيسة مركز «نيو أميركان فاوندايشن»، ومديرة سابقة للتخطيط السياسي بوزارة الخارجية الأميركية

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا