• الأربعاء 08 ربيع الأول 1438هـ - 07 ديسمبر 2016م

مجرد ربطة عنق

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 29 مارس 2014

يوسف غيشان

حصلت على شهادة الأيزو في مجال البربشة منذ ما يسمى جدلا بالطفولة (البربشة هنا هي انعدام الأناقة والتناسق في الملابس)، وقد تبينت مهاراتي في هذا المجال مبكرا، ولا علاقة لذلك بالفقر فقط، إذا رغم البؤس الذي كنا نحياه، إلا أن أخي كان يلبس برابيشه بأناقة مصطنعة.

وقد استمرت حالة البربشة معي حتى ساعة إعداد هذا البيان، وهي تتسرب كالرائحة العشوائية في كامل تفاصيل حياتي، لكنها تتبدى أكثر وأوضح في مجال الملابس.

رغم أني لست بخيلا، وراتبي يتطاير كالعهن المنفوش على أي شيء -أنا كائن استهلاكي- إلا أنني أتردد كثيراً جداً قبل شراء بنطلون أو بلوزة أو كندرة، حتى لو كانت من «البالة»، وأتحول إلى بخيل مخضرم يحرص على القرش أكثر من حرصه على حياته.

هذه البربشة حولتني إلى كائن متلق للمعونات من الأقارب والأصدقاء، الذين يرسلون لي برابيشهم التي زهقوا منها -مجانا طبعا- فأنا حاليا أكتب وأنا أرتدي قميص عطا وكنزة عماد وبنطلون محمد يسار، وحينما يبرد الجو ارتدي معطف فارس، بالطبع فإن الأمر لم يصل بعد إلى الملابس الداخلية.

متفق عليه بين الأصدقاء بأنني أرتدي ألوانا متناقضة ولا تصلح للتلبيق فيما بينها، لأن موضوع التلبيق هذا يتطلب منى إجراء تنسيقات عالية المستوى بين المانحين، وهذا مستحيل، إضافة إلى أنني لا أمتلك ذائقة لونية، صديقي عماد يتخلى عن جززايته الكحلية لأن بها ثقباً عند الكوع اليسار، وعطا يتخلى عن قميصه الأصفر لأنه عمل «ريجيم» قاسيا وصار كبيرا عليه، وهكذا مع الجميع.

وقبل حادثة ربطة العنق كان أخي نبيل خير مورد لي للملابس المستعملة، وحصلت هذه الحادثة المشؤومة قبل درزينة من السنوات على الأقل، حيث إن أخي الأنيق أرسل لي بقجة من ملابسه التي هجرها بينها ربطة عنق صفراء، وبما أني لم أكن قط من ذوي البذلات وربطات العنق فقد أرسلت البقجة إلى إلى عائلة فقيرة كانت تحتضن طفلتي الأولى عند ذهابنا للعمل يوميا مقابل أجر مقبول. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا