• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

دفاتر التنوير

عبد الكبير الخطيبي.. لسان الهوية العربية المجروح

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 22 يونيو 2016

عصام أبو القاسم (الشارقة)

أغنى عبد الكبير الخطيبي (1938 - 2009)، الذاكرة الثقافية العربية بجملة من العناوين الثرية في الرواية والشعر والتاريخ كما في السيرة والنقد والمسرح، بيد أن جهوده في كل تلك الحقول الإبداعية والفكرية، بدت مشدودة دائماً إلى موضوع الهوية العربية، الذي اعتبره الخطيبي: السؤال الأول والأخير!

اختبر الخطيبي في فترتي الاستعمار وما بعد الاستقلال، تجربة الانتقال من الشرق إلى الغرب ثم العودة إلى الشرق، فبعد دراسته الجامعية انتقل إلى باريس لإنجاز أطروحته للدكتوراه. من بعد، راح الكاتب الذي اعتمد الفرنسية لغةً لمؤلفاته، يكتب عن تلك التجربة المعيشية الثنائية «بين المغرب وفرنسا» أكثر مما يكتب عن أي شيء آخر، ولكن من منظور يوّحد بين الجهتين.

طمح صاحب مسرحية «موت الفنانين» 1964، إلى البحث عن أرض جديدة للفكر العربي، منشداً عبارة فرانز فانون «أيها الرفاق، لقد انتهت اللعبة الأوروبية فلنبحث عن شيء مغاير..». على أن البحث عن «المغايرة» والحق في «الاختلاف»، لا يمكن أن يحصلا من دون معاينة الذات ومعرفتها ونقدها، أي بعد أن «نتخلص من وهم الأصل المطلق»، كما يقول الخطيبي في مقال له، نشر بمجلة الكرمل (أبريل 1985)، مضيفاً أن علينا تبني طريقة تفكير «متعددة اللغات والحضارات والبناء التقني والعلمي» حتى نؤّمن حضورنا في منعطف هذا القرن في الساحة الكونية.

في منظور صاحب كتاب «المناضل الطبقي على الطريقة الطاوية» 1976، لا يمكن للهوية القائمة على ثالوث (اللغة والدين والأبوة) أن تحدد وحدها العالم العربي، فهذه الهوية قد تصدعت وتمزقت بفعل الصراعات والتناقضات الداخلية، وأرغمت على التكيف مع مقتضيات الحياة العصرية والتفتح على العالم.

لقد سعى الخطيبي إلى اجتراح خطاب مغاير في الثقافة العربية، لا يشبه الخطابات الثلاثة السائدة «التراثية والسلفية والعقلانية»، بحسب رأيه، فـ «التراثية» تتجه إلى بلورة الوجود العربي في سؤال ديني لاهوتي، و«السلفية» ما هي إلا محاولة للتوفيق بين الدين والعلم، أما «العقلانية» التي ترمي إلى إعلاء قيمة العلم فوق كل قيمة، فتغفل دينامية وتأثير «اللا شعور». لقد عاد الخطيبي، في كتابه «اللسان العربي الجريح» 2009 (ترجمة محمد بنيس دار الجمل) إلى المنابع الشعبية للثقافة المغربية، مبرزاً منها كل ما أغفل أو تم دفنه، لسبب أو لآخر، مثل الأوشام والأمثال والمحكيات الشفهية المنطوية على الكثير من الرؤى والمفاهيم الجديرة بالمراجعة والنظر والعرض.

وهذا التوجه إلى المهمل والمغفل في مكونات الثقافة المحلية يمثل المحور الأهم في مشروع الخطيبي الذي لطالما انتقد النخبة العربية المثقفة، لكونها إما نظرت لهذا الإرث المهمل نظرة فوقية محاكية لنظرة الاثنوغرافيين الغربيين أو هي تجاهلته تجاهلاً تاماً، لتستعرض جدتها وحداثتها القشرية.

وما يلفت في إرث الخطيبي، أنه شقيَ وهو يحاول أن يلم سيرته مع الحياة والأدب والسيوسيولجيا والهوية والصور والأمثال الشعبية، فلقد أنجز العديد من العناوين مترجماً مساره مع التعلم والقراءة والعمل والمدن والمرأة والاستعمار، على نحو يثير الانتباه، وذلك بدايةً من روايته المعروفة «الذاكرة الموشومة» 1971، التي ترتكز إلى «حديث عن الطفولة، والدراسة والمغامرات..» كما يورد محمد بنيس في حوار له معه (مواقف/‏ العدد 15/‏1971)، مروراً بمقالات متفرقة كتبها الخطيبي مفعمة بضميره الشخصي، وصولاً إلى آخر ما صدر له «الكاتب وظله» 2008 وهو مزيج ما بين السيرة والشهادة، كما يذكر الخطيبي نفسه في تقديمه له.

إذن، يمكن القول، إن الخطيبي، سواء في أعماله الروائية أو الفكرية والفنية، سعى دائماً لأن يصدر قوله انطلاقاً من ذاته، هذه الذات المتصالحة مع هويتها المزدوجة «الشرقية والغربية»، ليس من مثال أو قاعدة أصلح منها للتعبير عن رؤيته الفكرية وترجمتها أيضاً.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا