• السبت 29 صفر 1439هـ - 18 نوفمبر 2017م

مطلب إسقاط النظام ارتبط منذ بداية الخريف العربي إبان عهد عثمان بمطلب آخر غير معلن، لكنه هو المطلب الأساسي والهدف والغاية من الخريف وهو مطلب إسقاط الدولة، إسقاط الأوطان

أيتها الأمَّة المجروحة الجارحة.. ما أشبه الليلة بالبارحة!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأربعاء 10 مايو 2017

محمد أبوكريشة*

هذا مشهد من التاريخ العربي الدامي قبل أكثر من ألف وثلاثمئة عام، وبالتحديد عام اثنين وثمانين من الهجرة النبوية الشريفة. وأسوقه هنا للتدليل على أن «الخريف العربي» لم يبدأ قبل خمس أو ست سنوات فقط، بل بدأ منذ الفتنة الكبرى أواخر عهد سيدنا عثمان بن عفان، رضي الله عنه. وأن هذا الخريف العربي حلقات متصلة غير منفصلة لا تبدو لها نهاية، وأنه الفصل الأطول في حياة العرب. وأن كل حلقة من حلقاته يرتدي الناس فيها قميصاً مختلفاً. فإما قميص عثمان وإما قميص علي، وإما قميص الحسين بن علي، وإما قميص حقوق الإنسان، أو قميص الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والديمقراطية، أو قميص الإسلام والدين عموماً. فقمصان «الخريف العربي» حسب الموضة السائدة في كل زمان ومكان من أرض العرب التي تشرب دماً ولا ترتوي أبداً، وتنبت الموت والدمار وشجر الزقوم.

وكل حلقة من حلقات الخريف العربي منذ عهد عثمان تبدأ نفس البداية وتنتهي نفس النهاية.. تبدأ بسقف مطالب منخفض جداً، لا يتعدى إقالة وزير أو مدير أو إصلاح النظام. ويظل سقف المطالب يرتفع إلى أن يصل إلى المطالبة بإسقاط النظام وهتاف «ارحل»، والشعب يريد إسقاط النظام.

حدث هذا مع عثمان، فقد كانت المطالب في البداية مجرد إصلاح النظام وعزل أقاربه الذين كانوا ولاته وعماله، والعدل والإنصاف في العطايا والفيء وعدم تفضيل أقاربه، ثم راح سقف المطالب يعلو إلى أن بلغ إسقاط النظام وقتل الخليفة وفتح المأساة العربية على المجهول واللانهاية.

ومطلب إسقاط النظام ارتبط منذ بداية الخريف العربي إبان عهد عثمان بمطلب آخر غير معلن، لكنه هو المطلب الأساسي والهدف والغاية من الخريف وهو مطلب إسقاط الدولة، إسقاط الأوطان، فعندما يسقط أي نظام بفتنة أو مظاهرات خريفية عربية لا يقر لأي نظام بعده قرار. ويتوالى إسقاط الأنظمة بوقفة احتجاجية أو مظاهرة أو اعتصام أو فوضى أو إرهاب واغتيالات كما حدث مع عثمان وعلي، إذ سقطت تماماً الدولة والوطن والأمة كلها، وغرقت في بحار من الدم والجماجم والأشلاء، وما زالت الأمة غارقة في هذا كله، وستبقى إلى ما شاء الله لها أن تبقى.

أما المشهد الذي أرويه من مهزلة ومأساة وملهاة الخريف العربي الممتد، فهو أن عبدالرحمن بن الأشعث خرج على الحجاج بن يوسف الثقفي الذي كان والياً على العراق من قبل الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان ودارت بينهما حروب طويلة. وقد قويت شوكة عبدالرحمن، واجتمع له خلق كثير، وبايعه الناس والياً وخلعوا الحجاج، وعلم عبدالملك بما جرى فهاله الأمر، وأرسل ابنه عبدالله وأخاه محمد بن مروان برسالة إلى أهل العراق قال فيها: إن كان يرضي أهل العراق بنزع الحجاج عنهم نزعناه، فإن عزله أيسر من حربهم ونحقن بذلك الدماء ونجري على أهل العراق أعطياتهم، وأن ينزل عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث أي بلد شاء من بلاد العراق، فإذا نزله كان والياً عليه ما دام حياً وعبدالملك خليفة.

وكان الحجاج بعيد النظر قوياً، فلما قرأ الرسالة كتب إلى عبدالملك: والله لو أعطيت أهل العراق نزعي لم يلبثوا إلا قليلاً حتى يخالفوك ويسيروا إليك ليخلعوك وينزعوك ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك. ألم تر ويبلغك أن القوم وثبوا على عثمان وسألوه نزع سعيد بن العاص عن الولاية، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إلى عثمان فقتلوه؟ فيا أمير المؤمنين لا يفل الحديد إلا الحديد. فأبى عبدالملك إلا عرض عزله على أهل العراق فخرج إليهم عبدالله بن عبدالملك ونادى: يا أهل العراق أنا ابن أمير المؤمنين وهو يعطيكم كذا وكذا. وخرج محمد بن مروان عليهم قائلاً: أنا رسول أمير المؤمنين وهو يعرض عليكم «كذا وكذا». واجتمع أنصار ابن الأشعث معه، وكان رأي عبدالرحمن أن يقبلوا العرض. فوثب الناس رافضين، وقالوا: وهن القوم والله وخضعوا.. والله لا نرضى إلا خلع عبدالملك والحجاج معاً.. «تأمل.. أنظر.. عزل والٍ في البداية.. ثم إسقاط النظام».

وقال الطفيل عامر بن وائلة الكناني: إن الحجاج وعبدالملك يريان بكم رأي المثل السائر: احمل عبدك على الفرس، فإن هلك هلك، وإن نجا فلك، فاخلعوا عدوي الله عبدالملك والحجاج، فتصايح الناس من كل جانب «فعلنا.. فعلنا». وركب أهل الخريف رؤوسهم وأبوا إلا خلع عبدالملك والحجاج.. فكانت الحروب التي انتهت بانتصار الحجاج وهلاك ابن الأشعث، الذي حاول كما يحاولون الآن الاستقواء بالأجنبي في ترمذ ونيسابور وسمرقند، لكن محاولاته فشلت وسقط ولم تسقط الدولة. نفس السيناريو يتكرر منذ ما يزيد على ألف عام، نفس عبقرية العربي في إعادة إنتاج مآسيه وخطاياه. السيناريو واحد والأبطال مختلفون، تتعدد الأسماء والمشهد واحد. كان الفيلم أسود، وأصبح اليوم بالألوان والأطياف والتيارات. كانت قبائل، وصارت تيارات وجماعات وتنظيمات. قبائل فكرية ودينية بدلاً من القبائل العرقية. والقمصان تتغير ألوانها، لكن الزي واحد. من قميص عثمان إلى قميص «الإخوان» وقميص «داعش»، وقميص النصرة، وقميص الثورة، وقميص الليبرالية، وقميص الشيوعية، وقميص الاشتراكية الثورية، وقميص حقوق الإنسان.. والهتاف الشهير.. الله أكبر.. هتاف حق يراد به باطل، وهتاف الثأر: يا لثارات عثمان، يا لثارات علي، يا لثارات الحسين، يا لثارات الشعب، يا لثارات أي شيء وأي شخص، المهم ألا يتوقف الدم، وألا تنعم الأمة بالاستقرار، وأن يكون قتلانا بأيدينا أضعاف أضعاف قتلانا بأيدي كل الذين نسميهم أعداءنا منذ التتار إلى إسرائيل.. منذ الفرس والروم إلى ما نسميه الاستعمار الحديث.. فنحن نقدم لأي عدو أضعاف ما يتمنى ويريد ويطلب. ونحن نستدعي الأجنبي ليتدخل في شؤوننا ويساعدنا في إسقاط الأوطان، ثم نقول إنها مؤامرة أجنبية ضد الأمة وضد الإسلام. فالمؤامرة الخارجية قميص آخر يرتديه العرب منذ قديم الزمان لتسويغ الإرهاب والفوضى وإسقاط الأوطان. مع أن الذين يتحدثون عن المؤامرة وأعداء الإسلام هم حلفاء للمتآمرين وأعداء الدين. وقد كان الهتاف الشهير في مصر إبان «عورة يناير»، وهو طبعاً هتاف من تأليف وتلحين الإخوان «والكورس» الذي يغني خلفهم: يا مبارك يا جبان يا عميل الأميركان».. ثم ما لبث القاصي والداني أن عرف أن الإخوان كانوا وما زالوا أكبر عملاء الاستخبارات الأميركية والبريطانية والإيرانية واستخبارات «واق الواق».. فيا أيتها الأمّة المجروحة الجارحة.. ما أشبه الليلة بالبارحة!

*كاتب صحفي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا