• الأربعاء 28 محرم 1439هـ - 18 أكتوبر 2017م

الجاريات بالأرزاق المادية والمعنويّة

بيوت الماء

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 11 مايو 2017

ملف من إعداد: محمد عبد السميع

إذا كانت السفينةُ عنواناً للسفر أو الترحال عند المبدع، يبثّ شراعها همومه وأحزانه، فإنّ هذه السفينة بما تحمله من أحزانٍ وأشجانٍ، ثيمة تبرز بقوّةٍ في موروثنا الخليجيّ، باعتبارها وسيلةً مهمّةً في نقل كلّ هذه الدفقات الحارّة التي سافرت في صدور أصحابها وهم يمعنون النظر طويلاً في عرض البحر، أو يرفعون رؤوسهم إلى حيث سماء لا تنتهي وسرابٍ لا يقوى عليه كلّ هذا الماء الذي يحمل «محامل» القوم إلى حيث الرزق.

وإذا كان قُدّر لهذا الخليج أن يفرض إيقاعه على محبيه الذين اتخذوا من السفن خيولاً يمتطون صهواتها في عرض هذا البحر، فإنّ مهارةً في امتطاء صهوات هذه الخيول وسياستها ومعرفة أخطار الرحلة على ظهورها، توافّرت لدى الخليجيّ الذي عرف كيف يبثّ جواره وأصدقاءه ومشاركيه في الجغرافيا الإنسانيّة ثقافته وموروثه وأسلوبه في الحياة والتفكير والعيش.

وإذا كان العربُ قد عرفوا سفينةً تجوب عرض الصحراء فقد عرفوا أيضاً، سفينةً تمخر عباب البحر، وتتوافر على ثقافةٍ تنفتح على الآخر. إنها «المحامل» التي شكلت وسيطاً قوياً ومثالياً للمشاركة التجارية والتبادل الإنساني والثقافي بين من يعانقون شواطئ هذا الخليج، هذه التشاركيّة الحميمة التي قام بها الإنسان الخليجيّ بامتيازٍ، وهو يعتني بسفينته/&rlm&rlm راحلته التي ترافقه في هذا الطريق الطويل ليعود محمّلاً بالبضائع والسلع، وبثقافاتٍ جديدة يأخذ منها وينشرها، بعد أن يكون قد ناب عن كثيرين في نشر الثقافة العربيّة ليزداد التلاحم والترابط بين الناس وتتسع دائرة الاتفاق على الهدف الإنسانيّ في إعمار الأرض.

هذا التلاقح الثقافي والإنساني يدعونا إلى تتبع خيوطه الغنائيّة، وأهازيج البحر، والأناشيد التلقائيّة المصاحبة لهذه الحركة الدائمة في صناعة السفن وتجهيزها، وفي لحظات الوداع، وكلّها التقاطات تراثيّة لها أسبابها وموجبات دراستها، وتتبع المنشأ في ردّ المفردة إلى بيئاتها في الخليج وفي غيرها من المناطق المحيطة بالخليج، وهو الأثر التراثي الثقافي الذي يمكن للمهتمّ أن يبحث عنه ويتقصّاه.

إنّ مفرداتٍ مثيرةً تلفتنا وتدعونا بقوّة إلى أن ننتبه إليها، وربّما ألّف فيها المهتمون كتباً وقرأوا ألوانها الموسيقيّة ومقاطعها وطريقة الغناء بها، كمفردة «النّهام» على سبيل المثال، وفضلاً عن ذلك، فإنّ كلّ مفردات البحر هي موحية بطبيعتها ومستفزّة لنقرأ ظلالها الثقافيّ، فما بالنا بـ»السفينة»، تلك التي كانت في فترةٍ ما، على بساطتها أو تعقيدها أو تقليديّتها أو تقنياتها العالية في ما بعد، تجمع أخشابها أعظم القصص والحكايات وأشهر الرحلات، فعلاوةً على ما يتلألأ فوق ظهورها من حبّات الحصابي وأنواع اللؤلؤ أو أكوام الأسماك، تضم السفينة تراثاً خليجيّاً هائلاً، سواء كان تراثاً ماديّاً في المروي من أغاني البحر وأهازيجه وقصائده وأناشيده أم غير مادّيٍّ.

وفي أجزاء السفينة ومصاحباتها ما يمكن المبدع من رسم لوحاتٍ غنيّةً، وربّما تكون السفينة حاضناً قويّاً لحكايات دراميّة، يمكن أن تتفوّق على «تايتنك»، وتلك من مهمّة الدول في أن تنتبه لهذه الجزئيّات فتصنع منها عالماً يمتزج فيه الواقع بالرؤية بالمتخيّل من الطموح. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا