• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

في زمن العولمة أصبحت الكلمة الأولى للاقتصاد والإعلام

غُربةُ الشّعْر في أرْضِ الشّعْر

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 19 مارس 2015

محمد بنيس

1

ليس هناك ما يدفعنا إلى إخفاء ما هو عليه، اليومَ، وضعُ الشعر في العالم العربي. إنه غريب في أرضه وبين أهله. خلاصة لا تحتاج إلى تأكيد. هي هنا، هذه الغربة. هناك من ينظر ويتأوه، وهناك من لم يعُدْ يفكر في وجود الشعر أصلاً. أراحوا واستراحوا. ومن يكذّب أو يحاجج فليشجّ رأسه. واقعة تمشي الهُويْنى، حافية القدمين، تحت شمس الظهيرة، ثم تتبرّج مع الغروب أمام العابرين. غربة الشعر أقول، في أرض الشعر. بهذا الوضوح الذي يواجهُك فلا تسْلمُ من رؤية المشهَد الذي أصبح يتكرّر بدون تشويق أوْ حسرة.

منذ التسعينيات أصبح شيء ما يشكّك في حيوية الشعر العربي الحديث في أرضه. كان ذلك مع الشروع في زمن عالمي جديد، غدَا يتشكل، شيئاً فشيئاً، على إثر هبوب الرياح الأولى من عاصفة ستصبح معروفة باسم العولمة. آنذاك، كان خطاب غربي، من الولايات المتحدة، ولاحقاً من العالم السكسوني، فالأوروبي، يعلن عن ميلاد زمن جديد، تصبح فيه الكلمة الأولى للاقتصاد والإعلام. معه انبثقت قولة في الصحافة الدولية عن الزمن الأدبي الجديد، الذي تختصره عبارة «زمن الرواية». وحمل لواء الدعوة ناقد عربي كبير، ثم راح يبشر بها في كل مناسبة من خلال شعار: «نحن نعيش في زمن الرواية»، «الرواية هي ديوان العرب اليوم». ومن الرواية جاء الناقد لينسخ زمن الشعر. لم يكن أيُّ إبداع في قولة كهذه. فهي صادرة عن النقد الصحفي الأمريكي، الذي يعرف بدقة ما الذي يريده الرأسمال، وإلى أين تتجه شوارع التجارة الثقافية. تقليد عربي لنقد إعلامي باسم الحداثة.

2

من الأفضل التذكيرُ بما يجب التذكيرُ به، لأننا نُقبل على زمن فقدان الذاكرة الجماعية. نحن لا نقترب من هذا الزمن بقدر ما نحن متورطون فيه، منذ عقود، على مستويات. لكننا، سواء أتأسفنا أمْ لم نتأسف، نسرعُ في الانحدار نحوه بصدر مَرِح ونفْس منتشية. أن نذكّر يعني أننا لم نعد متيقّنين من أن العرب كانوا، منذ جاهليتهم أمة الشعر. وأن الشعر كان من بين أهمّ ما حملوه إلى البلاد التي هاجروا إليها، بعد الإسلام. أوْ لم نعد نعرف أن الشعر في العصر الحديث كان عنوان النهضة العربية، وعنوان التحديث في المجال الثقافي. شعراء وحركات شعرية توالت عبر عقود القرن العشرين. وفيها أصبحت حركة التحديث الشعري في طليعة الحركة الثقافية. قامت هذه الحركة على مبادئ، منها تجديد اللغة العربية، البحث عن بيت شعري يتحرر من قيود التقليد، مواجهة الماضي الذي يختار الهيمنة على الزمن والنفوس، تعميق الرؤية النقدية، الجرأة على اللقاء بالآخر وتعلم أبجدية التحديث، مخالفة الآراء والأحكام السائدة، الإعلاء من شأن المعرفة، الانفتاح على الفنون، من المسرح إلى الموسيقى والفنون التشكيلية.

ألا يحق للشعر والشعراء علينا أن نذكّر بهذا التاريخ العريض؟ لم يكن الشعر لباساً نتزيّن أو نتباهى به، بل كان ضرورة وجُود كل فرد عربي، أوْ كل فرد أصبح منتسباً بالثقافة إلى العروبة. لا أعتقد أن هذا التاريخ العريض للشعر العربي أصبح مادة متحفية، ولا ركاماً من الكراريس والكتب التي مآلها هو الحرق. هذا الرأي، الذي أصبحنا نقرأه ونسمعه بكل رحابة صدر في الصحافة وفي لقاءات، لا يمكن أن يكون رأيي ولا رأي آخر المقاومين من أجل الشعر في العالم العربي. نعم، نتكلم عن التاريخ، رغم أن هناك من لا يقبل باعتبار العودة إلى التاريخ ذات منفعة في رصد خطوط المستقبل. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف