• السبت 11 ربيع الأول 1438هـ - 10 ديسمبر 2016م

مستقبل العالم مرتبط باستيعابها

الطفرة التقنية.. وقدرة الحكومات على التطور

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 27 مارس 2014

تاريخنا حافل بالتحولات وما علينا سوى تأمل اللحظات الجوهرية في التاريخ الإنساني مثل عصر النهضة الأوروبي، والإصلاح الديني، ثم عصر الأنوار والثورة الصناعية، هذه الحقب غالباً ما ينجم عنها اضطرابات وقلاقل إلى أن يظهر قادة متبصرون قادرون على صياغة نظام جديد يناسب العصر الجديد، لذا يبقى السؤال اليوم ما إذا كان قادتنا في مستوى الحدث وما يجري من تحولات، فبالنظر إلى خلفياتهم البعيدة عن القضايا العلمية والتكنولوجية الضاغطة على مجتمعاتنا أخشى أن العديد من السياسيين، إن لم يكن جلهم، ليسوا مؤهلين بالدرجة الكافية للتعاطي مع التغيرات العالمية التي تفرضها التطورات الحاصلة في المجالات التكنولوجية والعلمية. فما يشهده عالمنا حالياً بات واضحاً لكل عين فاحصة، فالمجموعات السكانية التي كانت في السابق مهمشة ومقصية أصبحت اليوم أكثر تواصلاً مع بعضها البعض بفضل ثورة الاتصالات والإنترنت وباقي الخدمات، وعلى سبيل المثال تفيد الأرقام التي تنشرها الهيئات الدولية أن نسبة استخدام الهواتف النقالة في أفريقيا خلال الربع الأول من العام 2013 تجاوز 80 في المئة، بل الأكثر من ذلك أن هذه النسبة آخذة في الارتفاع بأفريقيا أكثر من المناطق الأخرى، ومع أن نسبة تداول الهواتف الذكية في أفريقيا ما زالت في حدود 20 في المئة، وهو المعدل العالمي على كل حال، إلا أنه من المتوقع أن ترتفع النسبة على نحو كبير في المقبل من السنوات.

الدستور الأميركي على سبيل الاستدلال فهو وإن كان من أفضل الدساتير في العالم إلا أنه لم يُصغ للتعامل مع القضايا الراهنة والأسئلة المعلقة مثل من يملك البيانات التي ننتجها؟ وما هي الحقوق المرتبطة بالخصوصية؟

هذه المعطيات تعني أن مجموعات كبيرة من سكان العالم باتت متصلة ببعضها البعض، وهو ما ينعكس في سلسلة من التداعيات بدءاً من مظاهرات البرازيل الاحتجاجية ومروراً بالحشود التي تجمعت في ميدان التحرير بالقاهرة وليس انتهاء بنجاح متطرفي سوريا في اجتذاب المقاتلين، لكن التواصل منقطع النظير لا يكتفي بتسريع وتيرة العمل السياسي، بل يضفي عليه أيضاً حركية كبيرة. فخلال السنة المقبلة يتوقع أن يتجاوز «فيسبوك» الصين كأكبر تجمع منظم في العالم، وفيما تظل الصين دولة لها جيش وتاريخ وثقافة، سيكون رواد «فيسبوك» متحررين من إكراهات الحدود والانقسامات المجتمعية، وحتى إذا لم يكن «فيسبوك» دولة قائمة بذاتها، فليكن، فالمجموعات السكانية المنظمة في إطار جغرافي كما نعرفها حالياً والمتمثلة في الدول لم تظهر سوى قبل 500 سنة، كما أن الأواصر التي تربط بين أفراد يقتسمون الآراء السياسية والميول الثقافية والفنية والمشتركات الدينية قد تكون أقوى من الصلات بين الأفراد الذين قد يعيشون في حي واحد، ما يعني أن التكنولوجيا تمحي المسافات وتذيب الجغرافيا.

هذا بالإضافة إلى دور التواصل في تثوير مجال التعليم الذي بات أكثر انتشاراً ولم يعد مقتصراً على الفئة التي تستطيع دفع ثمنه، وبالطبع ما زال الفاعلون الأقوى قادرين على الاستفادة من التطورات التكنولوجية بدءاً من الحكومات وليس انتهاء بالشركات العالمية والجماعات المارقة، وسنشهد في السنوات المقبلة كيف أن الأطراف الأكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا المتقدمة هي الأقدر على بناء الثروة والسيطرة على الخصوم ومفاقمة الفوارق. وبالإضافة إلى التعليم هناك الاقتصاد الذي يعتبر واجهة أخرى من الواجهات المتأثرة بالتغيرات التكنولوجية، هذه الأخيرة التي توفر وظائف جديدة خارج الأطر التقليدية للعمل، كما تطرح فرصاً غير مسبوقة لكبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة لإبراز قدراتهم، لكن التكنولوجيا تغير أيضاً طرق توفير الوظائف لتنتج لنا تعافياً اقتصادياً متعايشاً مع البطالة، وهي المشكلة التي تعاني منها الولايات المتحدة وباقي الاقتصاديات التي رغم خروجها من مرحلة الركود، ظلت غارقة في بطالة مستعصية، ويُتوقع في وقت قريب أن ندخل مرحلة تختفي فيها الوظائف التي كان يقوم بها الإنسان لمصلحة الآلة، بل ستمتد الآلة إلى ما يقوم به أصحاب الياقات البيضاء، وليس فقط العمال.

وفيما كان نجاح الأعمال والتجارة قائماً على التدفق السهل لرؤوس الأموال انتقل اليوم إلى تدفق المعطيات والبيانات، هذا بالإضافة إلى تأثير التقنيات الجديدة مثل الطابعات ثلاثية الأبعاد على الإنتاج الذي لن يبقى محصوراً في الشركات والمصانع. كل هذه التغيرات تحيلنا إلى النظم السياسية والبنيات المجتمعية التي ما عادت قادرة على استيعاب التطورات الجديدة، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى الدستور الأميركي على سبيل الاستدلال فهو وإن كان من أفضل الدساتير في العالم إلا أنه لم يُصغ للتعامل مع القضايا الراهنة والأسئلة المعلقة مثل من يملك البيانات التي ننتجها؟ وما هي الحقوق المرتبطة بالخصوصية؟ ثم هل نولد بحقوق ثابتة في الوصول إلى الإنترنت دون معوقات؟ لكن مع الأسف لا تسعفنا النماذج الاقتصادية الحالية والتحالفات العالمية ولا المؤسسات الدولية في الإجابة عن هذه الأسئلة والتعامل مع التطورات التكنولوجية المستجدة، ولن نتوصل إلى إجابات شافية إلا بجسر الهوة الواسعة بين صناع السياسة من جهة والتحولات العلمية والتكنولوجية الجارية من جهة أخرى.

ومع أنه من المحفز رؤية بعض المديرين من عالم «وادي السيلكون» والعلماء يحجون إلى واشنطن وباقي العواصم العالمية للاحتكاك بالسياسيين، إلا أن الأمر لم يتطور إلى نمط قائم من التواصل بين عالمي السياسية والتكنولوجية يفضي إلى تكامل واندماج يقدم الإجابات عن الأسئلة المطروحة ويبلور استراتيجيات كفيلة بالتعامل الفعال مع المتغيرات وتعظيم الاستفادة منها بدل الوقوف متفرجين، فمستقبل العالم في أبعاده المختلفة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية يعتمد على إدماج العلوم والتكنولوجيا واستيعاب تأثيراتها البعيدة.

‎ديفيد روثكوف

رئيس تحرير مجلة «فورين بوليسي»

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا