• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

فيروز المكان

حجم الخط |


تاريخ النشر: الخميس 27 مارس 2014

علي أبوالريش

مسحت يدي بقلبي ورفرفت الروح كجناحي فراشة، هي في المكان نفسه على دكّة إسمنتية بجوار جدار يحصد قِدمه، وبابه الموارب، يغسل بالصمت المهيب، لوحه المعتق، ويمضي في تعداد الكائنات الهاربة من عراكها اللذيذ.. وسدت رأسي على فراغ المراحل، واجتزت وعورة الذاكرة، باحثاً عن صورة، عن رسم أو وشم، عن حلقة في الظهر لم تنحنِ بعد، عن وجنة ما غزتها التجاعيد، عن عينين ما اشتد في محيطهما البياض، عن شفتين ما ذبلت سجادتهما الحريرية، عن جبين ما تغضن ولا تفنن في نسج خيوط العنكبوت على صفحاته.. لم يكن في المشهد سوى كائن شائه، يخرج من غابة التوحش، من عزلة حاكت شراكها المؤذية، من دمعة حبست أنفاسها عند محجري العينين، من آهة أشبه بالريح المكتومة في مخزن القلب.. وجدت جسداً متهاوياً متداعياً، أكلت من لحمه وعظمه، أضراس زمان عندما أراد الخيانة، استل مهنداته، صقالاً قواطع، فانهال يسحل وينحل وينخل وينجل حتى صار سعاله هديراً في الصدر الضامر.. صار سعاره زمجرة في القلب المتواري خلف أضلاع كأقفاص مهترئة.

المرأة.. المرآة

هذه المرأة.. هذه المرآة، هذه الصورة المبجلة لأحلام لم تكتمل فصولها، هذه السورة التي لم تلهج بها الألسن، هذه النخلة العجفاء تراوغ المكان عن زمان كان، لكنه فر من قسورة اللهاث وعبث الأقدام الجارية خلف صور أبشعها خيال جامح. هذه المرأة السامقة عند جدار يتهجى حروف زمانه، ويوم كانت الجدران أبواباً مفتوحة، وقلوباً مشروحة وحكايات تلف سجادة الوعي بخيوط الأشواق ولا تطوي السجل إلا على ابتسامة أشبه ببياض الموجة.. هذه المرأة تجلس هناك عند زاوية ضيقة في زقاق يلتف على الرمل، كأفاعٍ خائفة تجلس وتحاذيها كائناتها النبيلة، تناغي هذه وتدغدغ تلك، والمواء تغريدات صباحية لأجل أن تشرق الشمس، وتحكي السماء قصّة الغواية الأولى، وتطعم الهائمات من رغيف الحياة، أو تقول شعراً قديماً، ظل في دفتر القلب كأنه الخربشة العفوية.

هذه المرأة تسود هناك بوحدة موحشة تقضم من بقايا خبز الأيام، ثم تمضغ باللثة المجردة وتسعد بالرضاب الذي ما ذاقه لسان منذ أن ترجل الفارس، وامتطى عريه وغيابه، جواداً، ذاهباً إلى اللاشيء.. تبدو مبتسمة بسخرية الذين قالوا للزمن «نحتضن كل شيء ولا نملك إلا الهواء».

ثم تلتفت يمنة ويسرة، وكأنها تبحث عن خاتم سليمان أو قصة الهدهد الغائب، أو عن بلقيس التي لم ينجبها قط.. هنا في هذا المكان، هنا في وعيها، الأشياء تلاشت كأنها فصوص ملح، ذابت في الذروة القصوى واحتسى البيت القديم حسرة الفقدان.. توارى خلف جدران أخر، تلاشت في عدميتها، ولا سقف سوى زرقة السماء، ولا صوت سوى صرير يحرك في المكان جدلية النشوء والارتقاء ما شابها من مسرحية هزلية أغرت، وحشدت جل المشاعر، وختمت النهاية، بابتسامة مأساوية ارتسمت على وجنتي المرأة الصامدة.

حارسة الرمل ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

ما رأيك في استغلال المنابر الدينية في الشأن السياسي؟

مقبول
مرفوض
لا أعرف