• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

ظهر «أوسبورن» من خلال تحذيراته من «الانسحاب» وكأنه مراقب في باحة مدرسية، أو كأنه يخاطب الناخبين بلهجة غير ديمقراطية

بريطانيا وسياسة التخويف من «الانسحاب»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 19 يونيو 2016

مارك جيلبرت*

عندما كاد الإسكتلنديون يصوتون لمصلحة الانسحاب من المملكة المتحدة في استفتاء سبتمبر 2014، كانوا قد بعثوا عندئذ برسالة قوية اللهجة لأولئك الذين يؤيدون استمرار التحالفات السياسية والاقتصادية القائمة الآن في أوروبا. وتفيد تلك الرسالة بأنه لا يمكنك أن تخيف الناخبين جميعاً لإكراههم على تبنّي مواقف سياسية معينة. ويمكن القول بكل أسف إن الحملة التي تهدف لإبقاء بريطانيا ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي كانت تميل إلى التلويح بعنصر التخويف بدلاً من الإقناع، وهو أسلوب يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية قد تظهر نتائجها في الاستفتاء الذي سينطلق في 23 يونيو الجاري.

وكان جورج أوسبورن، مستشار الخزينة البريطانية قد حذّر الأربعاء الماضي من أن التصويت لمصلحة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي سيخلّف «ثقباً أسود» في الأنظمة المالية البريطانية يعادل خسارة تزيد عن 42 مليار دولار (30 مليار جنيه استرليني). ولن يكون هناك مجال لتغطية هذه العجز إلا عن طريق الإعداد لميزانية طارئة تعتمد على زيادة الهوامش الضريبية على المواطنين وتخفيض مستوى الإنفاق العام. ولم يكن من المفاجئ أن تستثير هذه الأخبار عاصفة من الاحتجاجات على أعلى المستويات.

وقد أعلن 57 عضواً في البرلمان البريطاني عن عزمهم التصويت ضد مشروع قانون الميزانية الطارئة لما بعد الانسحاب من الاتحاد، وبما يؤكد على مدى اهتمام الحزب الحاكم (المحافظين) بالمسألة الأوروبية. وقد تجسدت هذه المواقف بأكثر من 40 ألف تغريدة لكبار المسؤولين البريطانيين على موقع «تويتر».

ويبدو أن حملة «البقاء» تجري وقائعها الآن وهي متلازمة مع حالة من الخوف بعد أن أظهرت خمسة استطلاعات رأي تم إجراؤها خلال 24 ساعة رجحان كفة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. ويمكن أن يكون «أوسبورن» على حق عندما أشار إلى أن التخلي عن التحالف مع أوروبا سيؤدي إلى صدمة مالية يكون لها تأثيرها على الميزانية بحيث تجبر الحكومة على تعديلها وإعادة النظر فيها. إلا أن الطريقة المناسبة لطرح هذه الرسالة كان من المفترض أن تتمثل بعرض البيانات والإحصائيات التي يمكنها أن تقنع الناخبين بفضائل البقاء في عضوية الاتحاد بدلاً من انتهاج سياسة تخويفهم وترويعهم من فكرة الانسحاب.

وقد سبق التعرّض بالشرح والتحليل للمخاطر الاقتصادية الكامنة في الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي من أطراف فاعلة متعددة مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التنمية والتعاون الاقتصادي والبنك المركزي الأوروبي والبنك المركزي الإنجليزي، بالإضافة إلى بعض المؤسسات المالية الخبيرة التي تعمقت في دراسة التداعيات الاقتصادية للانسحاب على المدى القصير والمتوسط، وهي الشروح التي كان يتكرر عرضها بانتظام على الناخبين خلال الحملة المناوئة لفكرة الانسحاب. وكان في وسع الناخبين أنفسهم أن يعبروا بعد ذلك عن مواقفهم الخاصة بكل حرية، إلا أن المناورة المفزعة التي اعتمدها «أوسبورن» تثبت أنه لم يكن مقتنعاً بقدرة الناخبين على التوصل إلى الحقيقة بأنفسهم. وقد ظهر من خلال تحذيراته تلك وكأنه مراقب في باحة مدرسية، أو كأنه يخاطب الناخبين بلهجة غير ديمقراطية قائلاً لهم: «صوّتوا بالطريقة التي نريدها نحن وإلا فإننا سنضطر لتحصيل المزيد من الضرائب منكم ونحرمكم من بعض الخدمات العمومية التي تتمتعون بها».

وربما يكون هذا التحذير الذي أطلقه «أوسبورن» قد وضع حدّاً لأحلامه بالفوز برئاسة «حزب المحافظين» عندما يستقيل ديفيد كاميرون. بل على العكس من ذلك، يبدو أن منافسيه الرئيسيين على المنصب مايكل جوف وبوريس جونسون وكأنهما الرابحان بسبب تركيزهما على الخطوات الإيجابية التي اتبعاها بعد أن حققا فوزاً في استفتاء فصم العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.

وبالنسبة لأمثالنا من مؤيدي البقاء في الاتحاد باعتباره يمثل أضخم سوق منفردة في العالم، فقد أصبحت حملة الانسحاب منه تثير في أنفسنا الكثير من دواعي القلق. وأسوق إليكم فيما يلي ما كتبته في شهر سبتمبر الماضي عندما صوتت اسكتلندا بفارق ضئيل لمصلحة البقاء كجزء من المملكة المتحدة: «ينبغي على مؤيدي الاتحاد الأوروبي أن يعملوا على إبراز كافة الإيجابيات التي ينطوي عليها الاحتفاظ بعضويته، وأن يكرروا بقدر ما يستطيعون هذه الرسالة خلال السنوات المقبلة».

*كاتب أميركي مقيم في لندن

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا