• الأحد 05 ربيع الأول 1438هـ - 04 ديسمبر 2016م

دفاتر التنوير

علـي حرب.. المثقف يفكك الواقع ويعرِّي أعطاله

حجم الخط |


تاريخ النشر: السبت 18 يونيو 2016

إيمان محمد (أبوظبي)

«من لا يعترف بما يقع تهمشه الوقائع، ولذا فنحن نقاوم الواقع عندما نقوم بتشخيصه باستخدام لغة مفهومية جديدة تسهم في تغييره بقدر ما تتكشف عن إمكان جديد للتعقل والتدبير، وإذا كانت البشرية، بعد كل مشاريع التنوير وعصور التحرير ما تزال تشهد المزيد من الفقر والبؤس أو الظلم والعنف، فليس ذلك انتهاكاً لإنسانية الإنسان، بالعكس، ما يحصل هو ثمرة إنسانيتنا بالذات، أي نتيجة للمنطق الذي ندافع عنه. والأولى بنا أن نعترف بذلك حتى لا تفاجئنا بربريتنا باستمرار».

يمكننا أن نعتبر هذه الكلمات، تكثيفاً للأسلوب التفكيكي الذي يتبعه المفكر والفيلسوف اللبناني علي حرب في تشريحه للواقع العربي والإنساني، والتي وردت على لسانه في أحد اللقاءات الصحفية، فهو معروف بتأثره بجاك دريدا وكانط في نقد البنية الفكرية وآليات العقل، لاسيما في تتبعه للحركات الأصولية والدينية التي تركت ظلالاً قاتمة على يومياتنا.

في كل كتبه التي تجاوز عددها العشرين وفي مقالاته التي ينشرها في عدة صحف عربية، تظهر نبراته الواضحة والمحددة في توصيف الظواهر وتتبع انهيار الأخلاقيات الإنسانية، لدرجة أنه وضع كتاباً بعنوان «الإنسان الأدنى، أمراض الدين وأعطال الحداثة» يفند فيه العديد من الظواهر الدينية والاجتماعية، والتي تسببت في تأخر التنمية العربية، فيقول مثلاً: «لا توجد أمة على وجه الأرض يستحوذ عليها هاجس التراث أكثر من العرب، يشهد على ذلك الكم الكبير من الدعاة وديناصورات الثقافة الذين يملؤون الأسماع والشاشات لكي يختموا على العقول ويصادروا حرية التفكير ويسدوا أبواب المعرفة... المجتمعات الحية والمتطورة لا يأسرها تراثها، بل تعمل عليه لاستثماره في فهم حاضرها والإعداد لمستقبلها. عند العرب التراث يتحول إلى عبء وقيد أو إلى فخ وشرك أو كهف وسجن، وذلك بقدر ما يمارسون عبادة السلف وتقديس النصوص. ولذا فهم يملكون تراثاً هائلاً وغنياً لم يحسنوا صرفه إلى عملة حضارية أو معرفية قابلة للتداول على الساحة العالمية، تماماً كما أنهم يملكون موارد غنية لم يحسنوا تحويلها إلى نماذج ناجحة في التنمية».

وفي معرض نقده للخطاب الديني، والذي انشغل به منذ ستينيات القرن الماضي، يلتقط حرب مفصلاً مهماً ساهم في التراجع المعرفي للعرب، وهو ما يطلق عليه «النرجسية الثقافية»، إذ يعتبر أن المنزع النرجسي والاصطفائي في الاعتقاد يتجلى في إيهام جماعة من الناس بأنهم الأحق والأصدق والأفضل بين الناس، وفي الحالة الإسلامية تفضح وقائع اليوم هذا الادعاء: «الشعوب الإسلامية على هامش وفي المؤخرة من حيث المشاركة البناءة والفعالة في صناعة الحضارة، وهكذا نحن نفتقر إلى مصداقية في ما ندعيه ونشوه سمعتنا بين الأمم» كما يقول حرب.

ويرى الكاتب موريس أبوناظر أن الخطاب الديني عند الحركات الإسلامية المتطرفة، وفق وجهة نظر حرب الفلسفية، يشكل نموذجاً للأطروحة الأصولية بأركانها الأربعة: الأوّل يتجلّى في وجود أصل خرافي أو واقعي طوطماً أو شخصاً، حدثاً أو نصاً يجسد الحقيقة المطلقة الأولى والأخيرة، والثاني يتبدّى في العودة إلى الأصل للتماهي معه على سبيل الاحتذاء، والتقليد أو العبادة والتقديس، أما الثالث فيكمن في ادعاء كل أصولي القبض على حقيقة الأصل واحتكار تمثيله بوصفه المرجع والقياس الوحيد في العمل والنظر، أو الفكر والمسلك، أما الرابع فيقوم على ادعاء كل حركة أو جماعة أصولية بأنها الأحق والأصدق والأفضل بالنسبة لبقية الناس.

ويعتبر حرب أن المفكر هو فاعل فكري بالدرجة الأولى؛ بمعنى أنه يسهم في تغيير العالم بخلقه عالماً للفكر، ويقلب الأولويات، ويغير واقع السياسات بقدر ما يجترح منهجاً للتفكير ويبتدع ممارسة فكرية جديدة أو يبدع سياسة فكرية جديدة ومغايرة. لذلك ينشغل بنقد المثقف، إذ يرى أنه السبيل الأنجع، فكرياً وعملياً، للخروج من الأزمة التي يعاني منها مثقف اليوم: تفكيك الأوهام والهوامات للفكاك من آليات العجز عن مواجهة الأزمات التي تتحول إلى مآزق خانقة، بقدر ما تعيد إنتاج العقم والهشاشة أو الهامشية، وضمن مشروعه النقدي للمثقف يحلل حرب طروحات العديد من كبار المثقفين، مثل محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، وصادق جلال العظم، ونصر حامد أبوزيد، ومحمد عمارة، والصادق نيهوم، وغيرهم.

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا