• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

المشهد الذي آلَ نحو تشدد تفسيري صارم هو مشهد «الداعشية الناعمة» التي عششت في بعض أوساطنا ولم نأبه لوقف زحفها الكبير

جذور «الداعشية» المتوحشة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 17 مارس 2015

عوضاً عن قراءة «الداعشية» من منظور الإسلام وإدانتها بكونها خروجاً عن النص الأصلي وهي قراءة تسيّدت نقدنا لـ«داعش»، فإن ما صار مطلوباً هو العودة إلى النص الأصلي نفسه والتأمل في التأويلات والتفسيرات التي سادت (وتلك التي أقصيت وهُمشت) وآلت بنا نحو «الداعشية». تقودنا قراءة جريئة وغير مترددة كهذه لنتيجة أولية صادمة وهي أن «الداعشية» نتاج لسيادة تفسيرات جامدة ومتعصبة للنص الديني، ظلت تنتشر أفقياً في الفضاء العربي والإسلامي طيلة قرون، ولكنها استعرت وتصاعدت سيطرتها خلال نصف القرن الأخير على أقل تقدير. وقد أمعنت هذه التفسيرات الموغلة في اغتيالها للتنوع والتعدد في الادعاء بامتلاك الحقيقة الدينية! وكاد يختفي من المشهد الديني في المنطقة العربية التدين الشعبي البسيط، والتدين الصوفي الودود، والمساحات الرمادية العريضة التي كانت تمور فيها الحياة الاجتماعية والثقافية واليومية. وأجهزت سلفية التفسير الأحادي للنص على العفويات المبدعة والعبقرية في المجتمعات التي كانت تشتغل على تخليق صيغها ومعادلاتها الخاصة في مصالحة الدين مع الحياة، من دون تقعرات تنظيرية أو تشدق إيديولوجي، ديني أو حداثوي. وفي تلك المساحات الرمادية ومن خلال تلك العفويات التصالحية سيطر التعايش التلقائي بين شرائح المجتمع أياً كانت درجة تديّنها، وكانت الطائفية منطوية على نفسها في خلفية المشهد، وهو ذاته الذي لم يتصدره متدينون جدد مدججون بأفكار وآراء الإقصاء والتكفير والتفسيق وشق أخاديد عميقة وواسعة بين فئات المجتمع الواحد.

اختصر ذلك كله إلى «تفسير واحد» للدين اتسم بالتشدد، وادعى لنفسه الكمال و«الحق» واعتبر التفسيرات الأخرى، العقلانية والصوفية والتسامحية والتعايشية وحتى المذهبية المخالفة، باطلة ومرفوضة. يمكن بسهولة ملاحظة الانحدار نحو الأصولية المتشددة من خلال مقارنة الحاضر اليوم مع الماضي القريب قبل عدة عقود فقط. فهذا المشهد الذي آلَ نحو تشدد تفسيري صارم هو مشهد «الداعشية الناعمة» -إن صح التعبير- التي عششت في بعض أوساطنا ولم نأبه لوقف زحفها الكبير. وكانت تلك «الداعشية» تهيئ البيئة لتحولها القاتل والمتوحش والذي سيأتي لاحقاً.

والأسوأ من ذلك أن «الداعشية الناعمة» تعمقت وتجذرت مع آليات «تديين السياسة» و«تسيس الدين» في المنطقة العربية، مع الحركات الإسلاموية التي عمقت من خلط الدين بالسياسة وإنتاج وضع اجتماعي وسياسي مأزوم ومتأهب للانفجار. ونتج عن ذلك المزيد من خطاب التطرف والإقصاء وانتهينا عملياً إلى سيطرة خطاب «الداعشية الناعمة» بتنويعاته المختلفة وامتداداته في كل الاتجاهات. وبعض تلك الامتدادات تمثل في مناهج التربية الدينية التي ينكشف كثير منها هذه الأيام حتى في بعض أكثر معاقل المؤسسات الدينية اعتدالًا، لنجد تكفير الآخر والتسويغ لاستهدافه. وشيئاً فشيئاً تسللت كل الفتاوى التي صدرت في سياقات وتواريخ محددة واستثنائية في الماضي السحيق وصارت كأنها هي من يحدد شكل العلاقة مع الآخر في واقعنا الحالي، أي في سياق وتاريخ مختلف تماماً. والنتيجة النهائية لـ«التدعوُش» في فضائنا وثقافتنا الدينية كان تخليق بيئة مواتية لبروز «الداعشية المتوحشة» التي نراها اليوم وهي تُترجم على الأرض أفكار وقناعات «الداعشية الناعمة» المتنامية على مدار عقود طويلة.

وتتشابه «الداعشية المتوحشة» مع كل الإيديولوجيات الإبادية بشكل مُدهش من خلال التماثل في الادعاء بامتلاك منظور خلاصي للعالم والكون! ومثل هذا التوحش الفكري والإيديولوجي يتسم بصرامة وتعصب لا يحتمل أي نقاش ولا جدل ولا مساومة: إما أن تكون مع «الداعشية» لأنها تمثل «الحق» الذي لا حق بعده أو تكون مع «الضلال»! إنه الهوس المُرعب الذي يسوق، مثلًا، التسويغ «الداعشي» لعدم خوض أي معركة ضد إسرائيل، بضرورة تطهير الصف الداخلي من «المنافقين»! قبل خوض أي معركة مع «الأعداء»، وهذا التطهير يشمل عملياً ملياراً ونصف المليار من المسلمين الذين لا يؤيدون «داعش» ويلفظونه.

في «الداعشية» وآلياتها وفهمها وأساليب تطبيقها للفكر المُتوحش، وتماماً كما في كل إيديولوحيا إقصائية، تنفصل الوسيلة عن الغاية بطريقة مُذهلة. لا يهم استخدام أبشع الوسائل من أجل الغاية! وعليه لا تتحرج «الداعشية المتوحشة» من السطو والسرقة والمتاجرة حتى بالأعضاء البشرية. ولا تتحرج من إدارة شبكات دعارة تحت مسمى «جهاد النكاح» حتى تجذب مقاتلين مهووسين جدداً من كل أصقاع الأرض ممن همشتهم مجتمعاتهم وانحط بهم الفشل الفردي.

و«الداعشية المتوحشة» تتسم بالتفاخر والإعلان عن عمليات القتل والذبح على خلاف الحالات الأكثر من الإبادة حيث كان إخفاء الجريمة هدفاً أساسياً. ففي الحالة «الداعشية» يمثل القتل، وهو رقمياً أقل من حجمه في معظم الحالات الأخرى، استراتيجية ردع وتخويف وبث رعب في صفوف «الأعداء»، ولذلك يتم الإعلان عنه بطريقة مقرفة في جوهرها. يُنجز الذبح والحرق أمام الكاميرا، ويسيل الدم وتتخبط الأجساد بين أيدي الذباحين قبل أن تصبح جثثاً هامدة، وتُرى «المقتلة» البشعة من قبل مئات الملايين من الناس. تريد «الداعشية» أن «تنتصر بالرعب»، وهذا مدخل آخر يفرض علينا العودة إلى تفسير النص وتطبيقاته من منظور «الداعشية المتوحشة».

د.خالد الحروب

*كاتب وأكاديمي عربي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا