• الثلاثاء 07 ربيع الأول 1438هـ - 06 ديسمبر 2016م

ميزان العدالة

العصافير في القفص

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 10 يناير 2014

أحمد محمد

عندما دق جرس الهاتف رد رئيس مكتب مكافحة المخدرات الموجود في المطار، ودار بينه وبين محدثه على الطرف الآخر الذي يتصل من خارج البلاد حوار، وقال له إن «العصفورة في الهواء»، وكانت تلك شيفرة للحديث بينهما، كل منهما يعرف ما هو المقصود منها، ولم يزد الكلام على هذه المفردات الثلاث، وتم إنهاء الاتصال من غير أن يقول أحدهما للآخر حتى الكلمة المعتادة «مع السلامة» أو شكراً، وبنفس طريقة الكلام استدعى رئيس المكتب ضابطاً من الذين يعملون معه كان في المكتب المجاور ينتظر دوره المخطط من قبل، وبنفس الطريقة تلقى «الإشارة» بأن العصفورة في الهواء، وكانت تعني أن الهدف المرصود قد استقل الطائرة وفي طريقه إليهم وعليه أن يبدأ فوراً الاستعداد للقيام بالمهمة المكلف بها.

دخل الضابط غرفة داخلية ملحقة بمكتبه، وارتدى ملابس أخرى عبارة عن زي سائق تاكسي أجرة مثل الذي يرتديه السائقون الذين يعملون بين المطار ووسط المدينة، وعلى رأسه قبعة قديمة، توجه إلى «الكراج» واستقل سيارة أجرة حالتها جيدة لكي تصلح لاستقبال السائحين، وأمام صالة الوصول في المكان المخصص لسيارات الأجرة أوقف السيارة في انتظار وصول الطائرة، المعتاد أنه يتم تنظيم العمل بين السائقين طبقاً للأسبقية بانتظام، لكن الضابط المتخفي لا يريد إلا «العصفورة»، وقد ادعى أنه يقوم ببعض الإصلاحات العادية في السيارة إلى أن تحط الطائرة على أرض المطار، ويخرج ركابها ومن بينهم الهدف الذي يريده، إلى أن جاءه اتصال على جهاز اللاسلكي السري الذي يحتفظ به في طيات ملابسه يخبره بأن الطائرة قد وصلت، ولم يرد طبعاً لكنه اتخذ استعداداته ليكمل مهمته على أكمل وجه كما هو مطلوب.

خرجت الفتاة أو «العصفورة» كما كانوا يطلقون عليها في هذه العملية، نحيفة ترتدي ملابس وثيرة تظهر أنها ثرية بشكل فاحش، تتهادى في خطواتها، جميلة بملامح غربية شرقية مختلطة، بها سحر وجاذبية، بينما تخفي عينيها وراء نظارة شمسية سوداء، تضع يدها في جيب المعطف الذي ترتديه وتمسك باليد الأخرى حقيبة يدها، بينما يقوم عامل من المطار بدفع «التروللي» اليدوي الذي يحمل عليه حقيبة ملابسها التي كان واضحاً أنها صغيرة، بعد أن تخطت المنطقة الجمركية والجوازات بسرعة وهي سعيدة بالتعامل الراقي والإنجاز، الذي لم يستغرق دقائق معدودة، وفور الخروج قام العامل باستدعاء السائق لكي يقوم بتوصيل «السائحة» إلى المكان الذي تريده، وما كان هذا العامل في الحقيقة إلا ضابطاً آخر لكي تتم العملية بنجاح.

التقط الضابط (السائق) الحقيبة ووضعها داخل السيارة، وقام بفتح الباب الخلفي للراكبة كي تأخذ مكانها، وهو يرحب بها ويبتسم متمنياً لها طيب الإقامة والاستمتاع بوقتها في هذه الرحلة، وبعدما اتخذ مكانه على مقعد القيادة، سألها السؤال التقليدي الذي يسأله أي سائق لأي راكب، رغم أنه يعرف الإجابة مسبقاً، كان سؤاله إلى أي فندق تريدين أن نتجه؟ فكان الجواب: لا أريد فندقاً سأذهب إلى شقة مفروشة في منطقة راقية معروفة، ومدت يدها لتعطيه العنوان الذي ترغب التوجه إليه فأخذ الورقة من يدها وهو يقول يبدو أن هذه الزيارة ليست الأولى لك، فأجابت بالطبع هذه هي المرة الثالثة، ولا أفضل الإقامة بالفنادق لأنني أحب أن أكون على حريتي خاصة وأنا أستقبل أصدقائي، ومرة أخرى أعرب لها عن ترحيبه وتمنياته بوقت ممتع، كان هذا الحوار بكل تأكيد يصل إلى غرفة المراقبة في مكتب مكافحة المخدرات بكافة تفاصيله.

بعد نحو نصف ساعة، توقفت سيارة الأجرة أمام البناية التي تريد «السائحة» أن تنزل فيها، استدعى السائق الناطور الذي كان جالساً على «دكته» المعروفة في المدخل يرتشف الشاي، يرتدي ملابسه البلدية وعلى رأسه عمامة غير مهندمة، شاربه كث وغير حليق اللحية منذ عدة أيام، ينتعل حذاء قديماً، وأسرع إلى السائق ملبياً النداء، فطلب منه أن يحمل الحقيبة ويوصلها إلى الشقة التي تريدها الفتاة الجميلة التي كانت تقف وتخرج من حافظة نقودها عدة دولارات زيادة على المبلغ المطلوب، وهي تدسها في يد السائق الذي شكرها بشدة وقبل أن يودعها، ويترك المكان سألته هل يمانع في أن يعطيها رقم هاتفه المحمول ليتولى مهمة تنقلاتها في الأيام القادمة، فقدمه لها وهو يقول على الرحب والسعة، وهي لا تدري من يكون.

حمل الناطور الحقيبة الخفيفة إلى داخل المصعد، وعندما دققت في ملامحه علمت أنه ليس الناطور السابق الذي كان موجوداً في المرتين السابقتين اللتين حضرت فيهما إلى هنا، وسألته عن ذلك، فقال لها إنه شقيقه وتوجه إلى بلدته البعيدة لأن زوجته تضع مولودها الخامس ويجب أن يكون بجوارها، وفي الطابق الرابع توقف المصعد وأخرجت الفتاة المفتاح من جيبها وفتحت الباب، وقام الناطور بوضع الحقيبة داخل الشقة، وهو يتمنى لها وقتاً طيباً أيضاً ويحمد الله على وصولها بالسلامة، ويعرض عليها خدماته في أي وقت، وقامت بإخراج مبلغ من الدولارات ودسته في يده، فأخذه وهو يدعو لها ويقول إن هذا رزق ابن أخيه المولود الجديد، فقامت بإعطائه مبلغاً آخر لأنه شخص قنوع يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ... المزيد

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا