• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

ينشدون العيش المشترك في مرحلة جديدة

أمازيغ ليبيا.. والإصرار على الحقوق الثقافية

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 25 مارس 2014

جون ثورن

ليبيا

ثلاث مرات في الأسبوع تتوجه «انتصار يونس عيسى» إلى مدرسة سليمان الباروني الابتدائية الواقعة على قمة التلة المطلة على بيتها لتعطي دروساً كانت إلى غاية ثلاث سنوات خلت محظورة في ليبيا، بل كانت تنتهي بصاحبها في غياهب السجون، لكن عند زيارتنا لها في الفصل كان الُمدرسة منهمكة في تلقين طلابها الأطفال نشيداً باللغة الأمازيغية يحتفي بمنطقة «وادي زالا» وبما تزخر به من بساتين غناء تحفها أشجار التين والزيتون، وزاد النشيد في التغني بمنطقة «يفرن» التي تعتبر تقليدياً الموطن الرئيسي لأمازيغ ليبيا غرب البلاد، والذي يضم أقلية لغوية ظلت مقموعة في عهد الحكم السابق للعقيد معمر القذافي. لكن وفيما تركز ليبيا الجديدة على بناء مؤسساتها يحتدم النقاش بين الليبيين حول الحقوق الثقافية واللغوية للأقليات، وعلى رأسها الأمازيغ.

فهذه الشريحة من السكان استوطنت عموم شمال أفريقيا منذ ما قبل التاريخ، حيث تشير الحفريات والنقوش على الأحجار في صحراء شمال أفريقيا إلى وجود تجمعات سكانية عاشت في المنطقة، ويرجع تاريخها إلى ألف سنة قبل الميلاد على الأقل، ومعروف أن المنطقة تعاقبت عليها مجموعات مختلفة من الجيوش المحتلة مثل الرومان والوندال والبيزنطيين، تاركين وراءهم آثاراً تتوزع في عموم شمال أفريقيا، إلا أنهم عجزوا عن الاستيطان الدائم، ولم ينجح سوى العرب الذين أدخلوا الإسلام إلى المنطقة في البقاء والاستقرار حتى يومنا هذا، وعلى امتداد المراحل المختلفة عاشت الأمازيغية من خلال لهجاتها المتنوعة وظلت متداولة بين الأمازيغ من أقصى المغرب غرباً وحتى مصر شرقاً. وفي ليبيا يعتبر «جبل نفوسة» في الغرب الليبي موطن الأمازيغ التقليدي، وإنْ كانت المنطقة لا تخلو من بلدات عربية، أو عُربت في مراحل تاريخية لاحقة، ورغم التعايش الذي ساد في ليبيا بين مكوناتها اللغوية والعرقية المختلفة، ظلت الصورة النمطية السلبية عن بعضها البعض موجودة ومستمرة، لكن دون أن يتسبب ذلك في مشاكل بين السكان لما يكنوه من احترام لبعضهم البعض، إلا أنه مع وصول القذافي إلى السلطة إثر انقلابه العسكري على الحكم الملكي في العام 1969 أعلنت ليبيا بلداً عربياً خالصاً، وتم تهميش الأمازيغية بل وقمعها، حيث مُنع تداول الأسماء الأمازيغية، كما استُبعد التاريخ الأمازيغي من المناهج الدراسية، لذا تمثل ثورة 2011 التي أطاحت بحكم القذافي فرصة ثمينة للأمازيغ لإحياء ثقافتهم وتثمين موروثهم، لا سيما في ظل الإسهام المهم لسكان جبل نفوسة في إنجاح المعارك ضد كتائب القذافي في المناطق الغربية، بل ودورهم الفاعل في محاصرة قواته في طرابلس وإسقاط حكمه، ففيما كانت قذائف الكتائب الموالية للقذافي تنهمر على بلدات جبل نفوسة تسللت الحروف الأمازيغية المميزة والمكتوبة بحرف «تفيناغ» لتجد طريقها إلى جدران طرابلس في تأكيد واضح على هوية الثوار، وما أن سقط نظام القذافي حتى أطلق الأمازيغ حملة تستهدف إعادة لغتهم إلى الفضاء العمومي، مصطدمين بعائق أساسي يتمثل في ندرة الأشخاص القادرين على قراءتها، أو الكتابة بحروفها، فاللغة لم تتجاوز التداول الشفهي طيلة حكم القذافي.

ومن المشاركين في الحملة مجموعة من المتطوعين على شاكلة انتصار يونس التي بدأت تلقن الطلاب أساسيات اللغة الأمازيغية، وفي 2012 شرعت المجالس المحلية للمدن والبلدات الأمازيغية في تمويل برامج تدريب المدرسين وتخصيص الرواتب وتطوير المناهج الدراسية، وخلال السنة الماضية أعلن البرلمان الليبي المؤقت اللغة الأمازيغية وباقي اللغات التي تتحدث بها الأقليات جزءاً من المكون الثقافي للمجتمع الليبي، بل رخص بتلقينها في المدارس كمواد اختيارية، وعن هذا الموضوع تقول انتصار يونس إنه مع الحرية تولد الحماس لإتقان اللغة والإلمام بقواعدها، وعلى سبيل المثال تضيف انتصار أنه في السابق كان الأهالي يقتصرون على النطق بكلمات عربية، في الحين أصبحت العبارات الأمازيغية أوضح في الكلام اليومي، لكن هذا التقدم الحاصل في تكريس الحقوق الثقافية للأمازيغ ليس كافياً ما لم ينص الدستور صراحة على الأمازيغية كلغة رسمية يجب حمايتها وتعزيزها في الحياة العامة.

وللضغط على النخب السياسية في طرابلس أقدمت مجموعة من المحتجين الأمازيغ على إغلاق أحد موانئ النفط القريبة من طرابلس، كما طالب المجلس الأعلى للأمازيغ المدافع عن حقوق الأقليات بمقاطعة التصويت على اللجنة المكلفة كتابة الدستور، معتبراً أن المقعدين المخصصين للأمازيغ في لجنة الستين ليسا كافيين، هذا الموقف يوضحه «نوري علي شروي»، أحد النشطاء الأمازيغ الذين تعرضوا للاعتقال في عهد القذافي، قائلاً «هناك بعض أفكار القومية العربية في ليبيا التي ترفض الإنصات لمطالبنا وتسعى إلى تهميشنا، لكننا لن نعترف بدستور يرفض الاعتراف بنا».

بيد أن البعض يتخوف في ليبيا من أن السياسة القائمة على الهوية ربما تهدد بتأجيج التوتر والخلاف في وقت تعاني فيه الحكومة المركزية من الضعف والهشاشة وتطغى سلطة الميليشيات على الدولة، وهو ما يؤكده «صلاح نقب»، ناشر إحدى المجلات متعددة اللغات في ليبيا، قائلًا «إن الهدف هو التأكيد على قدرة الجميع على العيش المشترك في ظل التنوع اللغوي»؛ وبالعودة إلى منطقة «يفرن» لم يعد خافياً استفادة الأمازيغ مثل أشرف أمروشي، مدير محطة إذاعية محلية، من أجواء الحريات المستجدة، فعلى غرار باقي الليبيين، وجد أشرف نفسه خلال ثورة 2011 منخرطاً في قتال القذافي، لكنه اليوم يشرف على إعداد نشرات الأخبار بالأمازيغية والبرامج الحوارية، وهو يعبر عن دوره الجديد قائلا «أشعر أني أقدم اليوم شيئاً أفضل مما قدمته خلال الثورة».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة

«كريستيان ساينس مونيتور»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا