• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

«طقوس الأبيض» لفرقة مسرح الشارقة الوطني تدخل المنافسة

مشهدية باذخة حول ثنائية الموت والميلاد

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 25 مارس 2014

إبراهيم الملا (الشارقة) ـ كيف يمكن للأضداد المتنافرة أن تحفر وتنحت في قوام هذا الوجود المتسرّب والمتهالك والمنهدم حولنا؟ وكيف يمكن لنا وسط هذه اللعبة الدائخة بين رعب الفراق وبهجة اللقيا، أن نشفى من داء اليأس، وأن نحوّل السواد المتناسل في أذهاننا، إلى سرب منامات طاهرة، وأحلام بيضاء، وأن ننتشل من مرارة الوداع، تلك الولادات النقية والمقرونة بالأمل؟

هذه الأسئلة الوجودية الحارقة وغيرها، قدمتها لنا مساء أمس الأول، ووسط طقس شعائري ومناخ جنائزي متدفق بالصور والأخيلة والتجاذبات الدينية العميقة، فرقة مسرح الشارقة الوطني من خلال عرض «طقوس الأبيض» ضمن العروض المنافسة على جوائز الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان أيام الشارقة المسرحية. العرض الذي شاهده الجمهور على خشبة قصر الثقافة بالشارقة من تأليف: محمود أبو العباس، وإخراج محمد العامري، وساهم في تشكيل فضائه الأدائي العالي والمتنوع نخبة من فناني الصف الأول في المشهد المسرحي المحلي وهم: أحمد الجسمي، وملاك الخالدي، ومحمود أبو العباس، وحميد سمبيج، ومحمد جمعة، ومحمد بن يعروف، وكل من الفنانات أشجان، وشمس، ورانيا آل علي.

ينطلق العرض بداية من ثنايا الومضة الحسيّة لكتل بشرية محاصرة بقماش أبيض يكاد يلتصق ويسحق الكائنات الآدمية الغامضة المحشورة فيه، لينقضي هذا المشهد التأسيسي بدلالاته ورموزه الموحية، على صورة متناثرة لأجساد تهرب من سجنها الأبيض، وتختفي في عمق الخشبة.

هذا المدخل الإيحائي سوف يكشف لنا عن طقسين متضادين على جانبي الكادر المسرحي، ففي أقصى اليمين ثمة قابلة تشرع في أداء مهمتها لاستقبال ضيف جديد ووافد آخر إلى هذه الحياة ـ تمثل دور القابلة هنا الممثلة ملاك الخالدي ـ وفي الجانب المقابل وعلى أقصى يسار الخشبة نرى طقوس الدفن المرافقة لوداع جسد مسجي قبل رحيله في غياهب الأرض، ويقوم بدور مغسل الموتى والحفّار الممثل أحمد الجسمي.

في هذا الفضاء المشحون بالمفارقات الحسية والذهنية يبني المؤلف محمود أبو العباس هيكل الحكاية من شوارد وتأملات ونظرات تجوس في مصير الكائن الممزق بين شهقة الموت وزفرة الميلاد، ويأتي محمد العامري كي يكسو هذا الهيكل باللون والموسيقى والضوء وبتكوينات فرجوية ماتعة، تملأ مقدمة الخشبة وعمقه وكتلته وهامشه بنسق سردي واقعي، وآخر شعري محلّق. ويتناوب هذان النسقان في تأثيث كادر العرض بمستويات ترتحل بصرياً وعاطفياً نحو القسوة والرهافة ووسط اختلاجات العتمة والوهج وافتراقات الأصل والصورة.

تتصاعد وتيرة الصراع بين هذه الأضداد، على إيقاع التصادم الجوّاني الصاخب بين (الزوج/ الحفّار) وبين (الزوجة/ القابلة)، وما يؤجج هذا الصراع أكثر هو اكتشافنا أن الزوجة تعاني مرضاً يمنعها من الاحتفاظ بأجنتها، وهي التي ساعدت مئات النساء على بقاء أطفالهن أحياء، وأن الزوج يعيش على أمل أن تحبل زوجته، وأن يعيد اكتشاف الحياة، ولو من خلال طفل وحيد، رغم تشبعه برائحة الموت وتواصله اليومي مع سكان المقابر.

وبين تهاليل البشرى وبكائيات الرحيل، وفي البيت الذي يجمع الزوجين تحت سقف من الهواجس المتناحرة، يقدم لنا العرض ثلاث حكايات فرعية لثلاث نساء على وشك الولادة، ولكل منهن قصة، تتقاطع مع قصص أزواجهن، ومع الطبائع البشرية في صيغتها الشيطانية والأخرى الملائكية، المتشكلة في بيئات وظروف متباينة، فهناك المرأة التي تريد من القابلة أن تساعدها على الطلق السريع حتى ترى طفلها قبل أن يهيمن الدمار على المدينة، وقبل أن تنشب الحرب أظفارها في المكان، فتسوء الظروف أكثر مما هي سيئة، وهناك الرجل الذي يأتي بزوجته كي تجهضها القابلة، لأنه متأكد من خيانتها، حيث إنه عاقر، ليكتشف في النهاية أن حملها كاذب، وأنها تعاني مرضاً في أمعائها، أما القصة الفرعية الثالثة، فتصف وضع المرأة التي احتالت على زوجها وتريد أن تظفر بطفلها الساكن في أحشائها، وأن تهاجر إلى مكان بعيد، ولكنها تموت أثناء الولادة ويظل طفلها حياً، فيقرر الحفار أن يحتفظ به ويقنع زوجته بذلك، كي يختم العرض فصله الطويل والمتشابك بمونولوج شعري للحفار، يعبّر من خلاله عن عذاباته المتراكمة وعذابات زوجته، ويستدعي غبطة كادت تتسرب للأبد في قيعان حياتهما الموحشة.

تميز العرض بالأداء العالي والمتمكن لنجومه المخضرمين، كالجسمي وملاك الخالدي ومحمود أو العباس، واستطاع بقية الممثلين أن يملأوا المساحة المخصصة لهم حسب تنويعات الحكاية وانعطافاتها، كما تميز العرض بالأهازيج التراثية والأناشيد الصوفية والقصائد والمرثيات المصاحبة لطقوس الميلاد وشعائر الدفن، وبالمؤثرات الموسيقية الموفقة للفنان إبراهيم الأميري، والتي نطقت بصوت التمزقات المتوارية في ثنايا اللوحات التعبيرية والجمالية لمفردات الجسد والإيماءات الراقصة، بينما لوحظ الارتباك والتشتت في توزيع نقاط الإضاءة، خصوصا في المشاهد المركزية للعرض، كما أن الخاتمة شابها شيء من الاستعجال، وبدت منفصلة عن التوليفة التعبيرية العامة وعن المستويات السردية المهيأة لخاتمة أفضل، وأكثر اتساقاً مع عناصر الفرجة المتماسكة في البداية.

     
 

منتهى الجمال

والله العظيم منتهى الروعه والجمال . عمل مبدع جدا و وصف أروع من المراسل الصحفي . لدرجة اني احسست اني كنت بين الجمهور أتابع هذا العمل الجميل ... شكرا جزيلا للفنانين وشكرا جزيلا للاستاذ ابراهيم الملا

أحمد الزبير علي | 2014-03-25

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا