• الجمعة 03 ربيع الأول 1438هـ - 02 ديسمبر 2016م

الملالي من التبغ إلى «أفيون المذاهب»

حجم الخط |


تاريخ النشر: الإثنين 16 مارس 2015

التبغ يمثل جزءاً مهماً من طلب واستهلاك العديد من المجتمعات حول العالم، وبغض النظر عن سلبيات متعاطي أو مستخدم هذه النبتة، فهي لدى المجتمعات الإسلامية واقعة في محل المكروه في الفقه. فتلك النبتة «التبغ» يجوب دخانها صدور المراهقين، الكبار، الفقراء والأغنياء وحتى أصحاب العقول والمعرفة والدين، وأحياناً تصل إلى أصابع الأطباء الذين يحاربونها إرشاداً، فأمراضها معلومة لدى معظم الناس، بينما هناك نبتة يتم الحرث لها وزرعها في عقول بعض الناس باسم الدين، وبالدين يجهل خطرها وخرابها، وتغيّب وتذهب تلك النبتة عقول وسلوك بعض البشر بأفكار دينية مذهبية متطرفة، وتصبح مخدرات فكرية وثقافية كمادة الأفيون المخدرة للعقول والمدمرة للسلوك البشري، ومن هؤلاء المزارعين لأفيون المذاهب، ملالي إيران من ثورة التبغ إلى أفيون المذاهب.

ثورة التنباك «التبغ» بإيران (1891 - 1892) أبرزت قوة الملالي «رجال الدين الشيعة» في العصر الحديث ليمتد إلى الفترة المعاصرة، ذلك البروز الذي لم تهتم به القوى العظمى آنذاك كمستقبل قادم للنظام الإيراني ومنطقة الخليج والشرق الأوسط. تعود أحداث تلك الثورة إلى إعطاء شاه إيران شركات بريطانية امتياز احتكار استيراد وتصدير التبغ بإيران، تلك الاتفاقية حملت نقاطا خطيرة على المجتمع الإيراني منها العاملون وتجار هذه السلعة، إضافة إلى شكواهم من أن التبغ الأجنبي أقل جودة مع أسباب سياسية، وهي تحكم دولة أجنبية بالشؤون الداخلية. وصل الصراع بين الشاه والملالي حداً كبيراً بحلقات متعددة، ففي بداية الأمر كان الاعتراض على الاتفاقية والمطالبة بإلغائها وهو ما رفضهُ الشاه، وقد تحول الصراع إلى فقه الدين الشيعي وهو تحريم التبغ مما حمل الشاه إلى إجبار أحد رجال الملالي بالتدخين في المسجد لإنهاء المقاطعة، وعندما رفض، أمر الشاه بترحيلهِ من طهران. أمر الترحيل هذا قاد إلى صدام راح ضحيتهُ اثنين من رجال الملالي في مظاهرة حاشدة، ووصل الأمر بين الملالي والشاه إلى تحذير الحكومة الإيرانية إن لم تُلغِ امتياز التبغ الممنوح لبريطانيا العظمى سوف يتم الهجوم على الرعايا الأجانب والمباني. وقد ألغيت الاتفاقية، وعاد الدخان وأرباحه إلى صدور المستهلكين وجيوب التجار وتغيرت فتوى التحريم.

وعلى حقيقة تلاقي المصالح بين الإعلام والإنتاج عبر السينما والدعاية لشركات الدخان، التي خلقت علاقة بين المدخن والبطل، كما أن بعض المثقفين حول العالم عكسوا بأن المثقف في أحيانا كثيرة يرتشف القهوة ويمزج طعمها بالدخان، فإن الثورة الإيرانية الإسلامية الشيعية صورت نفسها ومصالحها عبر إنتاج نبتة مذهبية وتصديرها بأنها مع البطل والمظلوم، وأيضاً مع أصحاب المعرفة الدينية والمصالح الخاصة. وذلك جليا في وضوحه، فقد عكست المذهبية الشيعية الإيرانية في أقطار الوطن العربي عبر مزيج من الصور بكونها ثورة إسلامية شيعية للمستضعفين في البلاد العربية والإسلامية، مستوحاة من مظالم تاريخية سياسية على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مع وجود فكرة توسع الحكم الثيوقراطي الشيعي في الشرق الأوسط عبر خلق أنظمة ومجتمعات شيعية يدور فلكها حول طهران ومدينة «قم» الإيرانية. فمزيج هذه الصور واضح منذ الثورة الإيرانية واندلاع الحرب العراقية الإيرانية «1980-1988» التي كان فيها العراق مهدداً بخطر امتداد الثورة الشيعية الإيرانية بسبب وجود إرث تاريخي ومذهبي واجتماعي للشيعة في المجتمع العراقي. مع حقيقة بقاء التفوق النسبي في القوات العسكرية والبشرية الإيرانية منذ الشاه إلى أن بلغت القوة الإيرانية في النفوذ الشيعي مداها عندما تم احتلال العراق 2003، فأصبحت العراق تحت النفوذ المذهبي الشيعي بتبعية سياسية لملالي إيران. فملالي إيران ما زالوا يحاولون الهيمنة على الخليج، فهم يحتلون الجزر العربية الإماراتية، مع خلافات حدودية بحرية مع دول الخليج، وصراع مذهبي شيعي مخرب في دول الخليج والجزيرة العربية كالبحرين والعراق واليمن، واللعب بالقضية الفلسطينية عبر «حماس» لتتبع النفوذ والمصالح الإيرانية على حساب بعدها العربي الحقيقي، وبسوريا وأحوالها تخبرك بما فعل الدعم الإيراني بشعبها مع قواتهِ الخاصة ومنها «حزب الله» والحرس الثوري وغيرهم من العراق مع نظام البعث السوري، وليس غريبا على القارئ بأن ملالي «قم» تُساق إليهم زكاة الخمس من مواطني دول أخرى كما تساق التبعية المذهبية على حساب المواطنة.

ملالي إيران بكل ما يحملون من قوة مذهبية عابرة للأقطار إلى المجتمعات والتجمعات الشيعية، وعبر أماكنه المقدسة الشيعية من قم والنجف وكربلاء وجبل عامل، واستغلالهِ وتنسيقهِ مع طائفة «شيعية مسيحية» تؤمن بأن علي وفاطمة رضي الله عنهما كانا مسيحيين، وسعيها وراء الحصول على التكنولوجيا النووية، بهذه القبضة، تريد أن يكون الشرق العربي هو شرق فارسي وشيعي، فليس خفيا بأن إيران تسوق نفسها عالميا بادعائها أن الحضارة الإسلامية أهم من بناها الفرس من علماء ولغويين وفلاسفة. فكل ذلك من القوة والنفوذ والطموح لم يمنع إثارة غضبهم وخوفهم من فيلم سينمائي من إنتاج هوليود الأميركية 2007، وهو فيلم 300 مقاتل الذي حطم رقما ضخما في الأرباح والانتشار، ويحكي الفيلم رواية معركة الثرموبايلي (عام 480 قبل الميلاد) حيث قاد ملك مدينة إسبرطة «الإغريقية» جيشه ضد الفرس، فتلك المعركة عكست البطولة الإغريقية في عددها وعدتها القليلة وتعصبها إلى حضارتها باسم إسبرطة العريقة ضد الغزاة، والتي ألهمت جميع الإغريق التوحد ضد الفرس، بسبب هذا الفيلم اتهم مسؤولون حكوميون إيرانيون الفيلم الأميركي بالتهجم على الحضارة والثقافة الإيرانية، وأنهُ يغذي أو يصور الصراع بين العرب والفرس في الوقت المعاصر.

حميد المنصوري*

*كاتب ومحلل سياسي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا