• الأحـد 12 ربيع الأول 1438هـ - 11 ديسمبر 2016م

المرأة والباذنجانة

حجم الخط |


تاريخ النشر: الثلاثاء 14 يونيو 2016

في دمشق مسجد كبير اسمه جامع التوبة، وسمي جامع التوبة، لأنه كان خاناً ترتكب فيه المعاصي، فاشتراه أحد الملوك في القرن السابع الهجري، وهدمه وبنى مسجداً، وكان فيه منذ نحو سبعين سنة شيخ مربٍّ عالم عامل اسمه الشيخ سليم السيوطي، وكان أهل الحي يثقون به ويرجعون إليه في أمور دينهم ودنياهم، وكان هناك تلميذ مضرب المثل في فقره، وفي إبائه وعزة نفسه، وكان يسكن غرفة المسجد، مرّ عليه يومان لم يأكل شيئاً، وليس عنده ما يطعمه ولا ما يشتري به طعاماً، فلما جاء اليوم الثالث أحس كأنه مشرف على الموت، وفكر ماذا يصنع؟! فرأى أنه بلغ حدّ الاضطرار الذي يجيز له أكل الميتة، أو السرقة بمقدار الحاجة، وآثر أن يسرق ما يقيم صلبه.

وكان المسجد في حيّ من الأحياء القديمة، والبيوت فيه متلاصقة والسطوح متصلة، يستطيع المرء أن ينتقل من أول الحي إلى آخره، مشياً على السطوح، فصعد إلى سطح المسجد، وانتقل منه إلى الدار التي تليه، فلمح بها نساء فغض بصره وابتعد، ونظر فرأى إلى جانبها داراً خالية، وشمّ رائحة الطبخ تصدر منها، فأحس الجوع، وكانت الدور من طبقة واحدة، فقفز قفزتين من السطح إلى الشرفة، فصار في الدار، وأسرع إلى المطبخ، فكشف غطاء القدر، فرأى بها باذنجاناً محشواً، فأخذ واحدة، ولم يبال من شدة الجوع بسخونتها، عض منها عضة، فما كاد يبتلعها حتى ارتد إليه عقله ودينه، وقال لنفسه: أعوذ بالله، أنا طالب علم مقيم في المسجد، ثم أقتحم المنازل وأسرق ما فيها؟؟

كبر عليه ما فعل، فندم واستغفر ورد الباذنجانة، وعاد من حيث جاء، فنزل إلى المسجد، وقعد في حلقة الشيخ وهو لا يكاد من شدة الجوع يفهم ما يسمع، فلما انقضى الدرس وانصرف الناس، جاءت امرأة مستترة، فكلمت الشيخ بكلام لم يسمعه، فتلفت الشيخ حوله فلم ير غير تلميذه، فدعاه وقال له: هل أنت متزوج؟ قال: لا، قال: هل تريد الزواج؟ فسكت.. قال له الشيخ: قل هل تريد الزواج؟ قال: يا سيدي ما عندي ثمن رغيف، والله فلماذا أتزوج؟

قال الشيخ: إن هذه المرأة خبرتني أن زوجها توفي وأنها غريبة عن هذا البلد، ليس لها فيه ولا في الدنيا إلا عم عجوز فقير، وقد جاءت به معها، - وأشار إليه قاعداً في ركن الحلقة- وقد ورثت دار زوجها ومعاشه، وهي تحب أن تجد رجلاً يتزوجها على سنة الله ورسوله، لئلا تبقى منفردة، فيطمع فيها الأشرار، فهل تريد أن تتزوجها؟ قال: نعم. وسألها الشيخ: هل تقبلين به زوجاً؟ قالت: نعم..

فدعا بعمها ودعا بشاهدين، وعقد العقد، ودفع المهر عن التلميذ، وقال له: خذ بيدها، وأخذت بيده، فقادته إلى بيته، فلما دخلته كشفت عن وجهها، فرأى شباباً وجمالاً، ورأى البيت هو البيت الذي نزله، وسألته: هل تأكل؟ قال: نعم، فكشفت غطاء القدر، فرأت الباذنجانة، فقالت: عجباً من دخل الدار فعضها؟؟ فبكى الرجل وقص عليها الخبر، فقالت له: هذه ثمرة الأمانة، عففت عن الباذنجانة الحرام، فأعطاك الله الدار كلها وصاحبتها بالحلال.

محمد أسامة - أبوظبي

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا