• السبت 04 ربيع الأول 1438هـ - 03 ديسمبر 2016م

زيادة الضرائب سببت أضراراً بالغة للشركات المحلية اليونانية، وساعدت الشركات الأميركية على الإفلات الضريبي

اليونان ومشكلات تحصيل الضرائب

حجم الخط |


تاريخ النشر: الأحد 12 يونيو 2016

ليونيد بيرشيدسكي*

بعد أن كانت اليونان مرتعاً لأسوأ الممارسات الاقتصادية، ها هي تقدم اليوم صورة واضحة عن واحدة من أضخم المشاكل التي قد تواجه الحكومات. ففي هذا العالم الذي عُرف عنه الإفراط المتزايد في الاعتماد على التكنولوجيا، لا تزال الأنظمة التطبيقية المالية المعتمدة مصممة لمعالجة نماذج العمل الخاصة بالقرن العشرين.

وفي اليوم الأول من شهر يونيو الجاري، دخلت سلسلة من الارتفاعات الضريبية حيّز التنفيذ في اليونان بما في ذلك الزيادة في ضريبة القيمة المضافة بنقطة مئوية كاملة (وهي تُعرف في أميركا باسمها الشائع «ضريبة البيع»)، بالإضافة إلى ضريبة جديدة بنسبة 10 في المئة على مداخيل العاملين في الإعلام التلفزيوني والفنادق وشركات الإعلام الذين بدؤوا يشعرون بوطأة هذه الهوامش الضريبية التي تضاف إلى نسبة 3 في المئة مقتطعة من مداخيلهم فرضت عليهم العام الماضي عندما ارتفعت الهوامش الضريبية على الشركات إلى 29 في المئة. إلا أن الشركات الأميركية العاملة في اليونان، ومنها شركتا Airbnb و«نيتفليكس» المنافستان للشركات المحلية غير مكلفة هي أيضاً بدفع هذه الضرائب الإضافية.

يُذكر أن شركة Airbnb الأميركية المتخصصة بصناعة الفندقة والضيافة، شركة خاصة لا تُصدر بينات مالية عن أدائها وحجم أعمالها على رغم أنها تتولى مهمة تشغيل آلاف العقارات في اليونان، وتستأثر بعوائد ضخمة من عملها هناك. وهي تفرض على ضيوفها دفع قيمة الضرائب المحلية، إلا أن هذه المداخيل لا تُدفع إلى الخزينة اليونانية. ولا تمتلك الحكومة اليونانية أيضاً وسائل ملاحقة المتخلفين من أجل تحصيل تلك الضرائب. وحتى في الولايات المتحدة، هناك العديد من المضافات (كالفنادق والمقاهي) التي لا تدفع الضرائب المستحقة عليها، كما أن العديد من المضافات اليونانية غير مسجلة في قوائم المكلّفين بدفع ضريبة القيمة المضافة.

وهذه الضرائب الإضافية التي أقرّتها الحكومة اليونانية تندرج ضمن سلسلة الإجراءات المشروطة في حملة الإنقاذ المالي التي فرضها عليها الاتحاد الأوروبي. وقد اشترط الدائنون الأوروبيون على الحكومة في أثينا زيادة عوائدها المالية، إلا أن فرض القيمة المضافة وزيادة الضرائب على الشركات إلى مستويات غير معقولة سببت أضراراً بالغة للشركات المحلية التي كانت تساهم في التنمية الاقتصادية، وساعدت أيضاً الشركات التكنولوجية الأميركية العملاقة التي تعمل في اليونان على الإفلات من دفع الاستحقاقات الضريبية المترتبة عليها، وحققت بذلك للخزينة الحكومية في الولايات المتحدة دخلاً إضافياً.

وينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يدرك هنا أمراً مهماً. فمن خلال تنفيذ الخطة غير المتقنة لتحصيل عوائد ضريبة القيمة المضافة التي بدأ العمل بها في شهر أبريل، قدّر الخبراء النقص المتوقع في مجمل قيمة ما تحصله الحكومة منها بنحو 170 مليار يورو (193 مليار دولار) سنوياً أو ما يعادل 15,2 في المئة من القيمة الإجمالية لعوائدها. وأحد أهم الأسباب الكامنة وراء هذا القصور هو أن النظام المعتمد في أوروبا لمعالجة الاقتطاعات الضريبية عن طريق الإنترنت يتصف بالقصور الكبير في فعالية الأداء. وتكمن عيوبه في عدم القدرة على متابعة صفقات التجارة الإلكترونية على نحو دقيق، وبنقص القدرة على معالجة العمليات التجارية المشتركة. ومنذ العام الماضي، كان يتوجّب على الشركات التي تبيع منتجاتها وخدماتها بطريقة إلكترونية في بلدان الاتحاد الأوروبي أن تكلّف المشترين بدفع ضريبة القيمة المضافة لمصلحة الدولة التي يتم شراء البضائع أو الخدمات منها. وعلى رغم هذا، كانت مجبرة على التعامل مع نظام آخر لدفع الضريبة ذاتها في أوروبا كلها. وهكذا أصبح من الضروري بالنسبة للتجار أن يحتفظوا بالمعلومات الخاصة بكل عملية دفع من أجل تقديمها كدليل على دفع ضريبة القيمة المضافة في الدول المختلفة التي يمارسون نشاطاتهم فيها. وهي مهمة معقدة وعبثية ويمكنها أن تثير الخلافات القانونية. وكانت هذه المعوّقات كافية لتشجيع العديد من البائعين على المجازفة وخرق قوانين وإجراءات التحصيل والدفع.

وأمام هذا الوضع، وعد الاتحاد الأوروبي بتقديم مشروع قانون يهدف إلى عصرنة وتبسيط أساليب تحصيل ودفع ضريبة القيمة المضافة من الشركات الكبرى مع حلول نهاية العام الجاري، على أن يتم العمل بنظام مماثل خاص بالشركات الصغيرة خلال العام المقبل. ومن المنتظر أن تؤدي الممارسات البيروقراطية التي تهدف إلى وضع هذه الاقتراحات موضع التنفيذ، إلى تهرّب العديد من الشركات من دفع الضريبة المذكورة خلال هذه الفترة. وفيما يتعلق بضريبة القيمة المضافة بالذات، ينبغي على الاتحاد الأوروبي أن يفعل كل ما في وسعه من أجل تبسيط إجراءات تحصيلها وتشجيع الالتزام بدفعها.

وتبقى أخيراً ضرورة الإشارة إلى أن تحقيق صفة التكامل التي يفتقر إليها نظام التحصيل الضريبي في أوروبا والعالم يحتاج إلى ضمان موافقة عشرات الدول على إعادة النظر بمئات الاتفاقيات المتعلقة بعدم الازدواج الضريبي، وإلى أنظمة إلكترونية دقيقة لمتابعة وتحليل الصفقات المعقودة من أجل فرض الضرائب المستحقة عليها وفق القوانين المعمول بها في كل دولة. وهي من دون شك مهمة بالغة التعقيد على رغم أنها بالغة الأهمية أيضاً.

*محلل اقتصادي وسياسي روسي مقيم في برلين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا