• الجمعة 10 ربيع الأول 1438هـ - 09 ديسمبر 2016م

الفساد لا يقتصر على المسؤولين الأفارقة، بل يشمل أيضاً الشركات الغربية المستفيدة من استغلال القارة

القارة السمراء.. لعنة الموارد!

حجم الخط |


تاريخ النشر: الجمعة 13 مارس 2015

يمثل الحديث عن قارة كبيرة بحجم أفريقيا تضم 55 دولة، تحدياً كبيراً بالنظر للتنوع الكبير بين بلدانها، وحتى عندما يتعلق الأمر بالمشاكل التي تحفل بها القارة السمراء، يصعب الخروج بخلاصات موحدة، والتوصل إلى حلول تناسب الجميع، نظراً للتنوع والاختلاف بين الدول الأفريقية. ورغم ذلك فقد اختار مراسل «فاينانشال تايمز» في أفريقيا، توم بروجيس، التطرق لآفة تكاد تطال القارة بأسرها، وهي الفساد الذي يخترق -حسبما يوضح المؤلف في كتابه «آلة النهب.. السرقة الممنهجة لأفريقيا»- جميع الشرائح والنخب، ما يجعل القارة مثالا حياً لمقولة «لعنة الموارد» التي تنطبق عليها. فعلى امتداد صفحات الكتاب يكشف المؤلف عن مفارقة أفريقيا الفاقعة، فهي تزخر بالموارد الهائلة، المعدنية والزراعية، والتي يتم استغلالها من قبل الشركات والسياسيين لحسابهم الخاص، فيما تكتوي الشعوب بنار الفقر والفاقة، وتعاني خدمات متدهورة يدلل عليها الكاتب بمثال نيجيريا التي تعتبر من كبريات الدول المنتجة للنفط في العالم، لكنها لا تنتج من الكهرباء سوى نصف ما يولده بلد فقير ومعزول دولياً مثل كوريا الشمالية. هذا الفساد المستشري لا يقتصر على دولة أفريقية دون أخرى، فرغم التنوع العرقي والسياسي والاقتصادي، وتفاوت مستويات الاستقرار السياسي بين من ينعم بالأمن ومن يعيش على وقع الحروب، يظل الفساد العامل الذي يوحد أفريقيا، وهنا يشير الكاتب إلى عدد من الأمثلة الحية على تجذر الفساد في التربة الأفريقية، من قبيل ذلك المسؤول الذي كان يعمل مصرفياً بأحد البنوك بجنوب أفريقيا قبل أن يطلب منه رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية العودة إلى بلده والمساهمة في خدمة وطنه، ليتولى منصب حاكم منطقة تضاهي في حجمها مساحة فرنسا، ويبدأ النهب المنظم للثروات المعدنية المستخرجة هناك. وبحسب ما يوثقه الكاتب، كانت تذهب خمسة مليارات دولار إلى جيوب الشركات الخاصة العاملة في مجال استخراج الموارد المعدنية دون استفادة الدولة. وحتى عندما كشفت عملية النهب تلك، قام المسؤول بتأسيس شركات وهمية تعمل على شراء ذمم السياسيين وضمان استخراج الرخص للاستمرار في السرقة. ويقول الكاتب إن رئيس البلاد نفسه كان يستلم كل أسبوع حقيبة تحوي أربعة ملايين دولار، في شكل عمولات تقدمها الشركات الغربية. ولأن طبيعة الفساد متعددة ومعقدة أيضاً، فهي لا تقتصر على الشركات العالمية التي تستنزف موارد القارة السمراء بتواطؤ مع قادتها، وكذا مع البلدان الغربية المستفيدة، بل يشمل الاقتصاد غير المهيكل الذي يعيش على تهريب المواد الغذائية والصناعات الأخرى عبر الحدود، مثل عملية التهريب الرائجة للألبسة بين نيجيريا والنيجر والتي تؤشر إلى صعوبة التصدي للظاهرة ما دامت تمس أرزاق البسطاء من الناس. غير أن الفساد الذي يتعقبه الكاتب ليس من إنتاج المتعطشين للاغتناء من القادة الأفارقة، أو أمراء الحرب الذين يسيطرون على مناطق واسعة ويتمردون على السلطة المركزية، بل أيضاً الدول الغربية التي تستفيد شركاتها الكبرى من استغلال أفريقيا، وتستورد منتجاتها دون التساؤل حول طريقة وصولها، لينعم بها الفرد الغربي المرفه بينما يعاني الأفريقي الفقر والعوز. كما أنه في الوقت الذي تفتح فيه أوروبا أبوابها أمام السلع الفاخرة التي تصدرها أفريقيا، مثل الماس وغيره، فإنها توصدها أمام المهاجرين الأفارقة المتطلعين إلى مكان أفضل، ليلاقوا مصيراً مأساوياً على سواحل أوروبا.

زهير الكساب

الكتاب: آلة النهب.. السرقة الممنهجة لأفريقيا

المؤلف: توم بروجيس

الناشر: هاربر كولينز

تاريخ النشر: 2015

     
 

لا يوجد تعليق لهذا المقال

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق

التعليق
image  
أدخل النص هنا
 
 

هل يتبنى ترامب مواقف أكثر توازناً ،خاصة تجاه الشرق الأوسط، بعد توليه الرئاسة الأميركية ؟!

نعم
لا